صديق الحسيني القنوجي البخاري

98

فتح البيان في مقاصد القرآن

والأمانات جمع أمانة وهي مصدر بمعنى المفعول . وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما فتح مكة وقبض مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة فنزل جبريل عليه السلام بردّ المفتاح فدعا النبي صلى اللّه عليه وسلم عثمان بن طلحة فرده إليه وقرأ هذه الآية . وعن ابن جريج أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة لما قبض منه صلى اللّه عليه وآله وسلم مفتاح الكعبة فدعاه ودفعه إليه . وقال هاك خالدة تالدة أي مستمرة إلى آخر الزمان قديمة متأصلة ، وقد روى هذا المعنى بطرق كثيرة . وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « أدّ الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك » « 1 » ، وقد ثبت في الصحيح أن « من خان إذا اؤتمن ففيه خصلة من خصال النفاق » « 2 » . وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ هو فصل الحكومة على ما في كتاب اللّه سبحانه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم لا الحكم بالرأي المجرد ، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب اللّه ولا في سنة رسوله فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم اللّه ورسوله ، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص . وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم اللّه ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فهو لا يدري ما هو العدل لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته ، فضلا عن أن يحكم بها بين عباد اللّه . عن علي قال : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا وأصل العدل هو المساواة في الأشياء ، فكل ما خرج عن الظلم والاعتداء سمّي عدلا . قيل : ينبغي العدل بين الخصمين في خمسة أشياء في الدخول عليه والجلوس بين يديه والإقبال عليهما والاستماع منهما والحكم بالحق فيما لهما وعليهما فيجب على الحاكم أن يأخذ الحق ممن وجب عليه لمن وجب له ، ويكون مقصوده بحكمه إيصال الحق إلى مستحقّه ، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر ، وقد ورد في فضل العادلين من الولاة أحاديث . إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو أداء ، الأمانات

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في البيوع باب 79 ، والترمذي في البيوع باب 38 ، والدارمي في البيوع باب 57 ، وأحمد في المسند 3 / 414 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 24 ، ومسلم في الإيمان حديث 206 ، وأحمد في المسند 2 / 200 .