صديق الحسيني القنوجي البخاري
91
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعلى الأول فالمراد بقوله : فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها نجعلها أقفاء أي نذهب بآثار الوجه وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا . وقيل إنه بعد الطمس يردها إلى مواضع القفا والقفا إلى مواضعها ، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله : فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها . فإن قيل كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم ، فقيل : إنه لما آمن من هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين ، وقال المبرد الوعيد باق منتظر ، وقال لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة ، وقيل هو مختص بيوم القيامة ، وقيل المراد طمس القلب والبصيرة وقيل المراد محو آثارهم من المدينة وردهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام من حيث جاؤوا ، والأول أولى . والضمير في أَوْ نَلْعَنَهُمْ عائد إلى أصحاب الوجوه كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وكان لعن أصحاب السبت مسخهم قردة وخنازير ، وقيل المراد نفس اللعنة ، وهم ملعونون بكل لسان ، والمراد وقوع أحد الأمرين إما الطمس أو اللعن ، وقد وقع اللعن ، ولكنه يقوي الأول تشبيه هذا اللعن بلعن أهل السبت وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي كائنا موجودا لا محالة إن لم يؤمنوا أو يراد بالأمر المأمور ، والمعنى أنه متى أراده كان كقوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 48 إلى 49 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً ( 48 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 49 ) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ هذا الحكم يشمل جميع طوائف الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ، ولا يختص بكفار أهل الحرب ، لأن اليهود قالوا عزير ابن اللّه ، وقالت النصارى المسيح ابن اللّه ، وقالوا ثالث ثلاثة . ولا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل اللّه بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته ، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء . قال ابن جرير قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة اللّه عز وجل إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه ما لم تكن كبيرته شركا باللّه عز وجل ، وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة ، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة . وقد تقدم قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] وهي تدل على أن اللّه سبحانه يغفر سيآت من اجتنب الكبائر فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء اللّه غفران سيآته . عن ابن عمر بسند صحيح قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى