صديق الحسيني القنوجي البخاري
92
فتح البيان في مقاصد القرآن
سمعنا من نبينا صلى اللّه عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الآية وقال : « إني ادّخرت دعوتي وشفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي » « 1 » ، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا . وعن ابن عباس قال في هذه الآية : إن اللّه حرم المغفرة على من مات وهو كافر ، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم عن المغفرة وأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال : ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ « 2 » الآية . وعن جابر قال : جاء اعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال يا رسول اللّه ما الموجبتان قال : « من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة ، ومن مات يشرك به دخل النار » « 3 » ، أخرجه مسلم . وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ يعني يجعل معه شريكا غيره ، إظهار في موضع الإضمار لإدخال الرّوع فَقَدِ افْتَرى أي اختلق وفعل ، لأن الافتراء كما يطلق على القول حقيقة يطلق على الفعل مجازا كما صححه التفتازاني إِثْماً عَظِيماً يعني ذنبا كبيرا غير مغفور إن مات عليه . أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ أي يمدحونها ، تعجيب من حالهم ، وقد اتفق المفسرون على أن المراد اليهود ، واختلفوا في معنى الذي زكّوا به أنفسهم فقال الحسن وقتادة : هو قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] . وقال الضحاك : هو قولهم لا ذنوب لنا ونحن كالأطفال ، وقيل قولهم إن آباءهم يشفعون لهم ، وقيل : ثناء بعضهم على بعض ، ومعنى التزكية التطهير والتنزيه فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها ، واللفظ يتناول كلّ من زكّى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم ، وكل من ذكر نفسه بصلاح أو وصفها بزكاء العمل أو بزيادة الطاعة والتقوى أو بزيادة الزلفى عند اللّه . ويدخل في هذا التلقب بالألقاب المتضمنة للتزكية كمحيي الدين وعز الدين وسلطان العارفين ونحوها ، فهذه الأشياء لا يعلمها إلا اللّه تعالى فلهذا قال بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي بل ذلك إليه سبحانه ، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده ومن لا يستحقها ، فليدع العباد تزكية أنفسهم ويفوضوا أمر ذلك إلى اللّه سبحانه ، فإنّ تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس وطلب العلو والترفع والتفاخر ، ومثل هذه الآية قوله تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [ النجم : 32 ] .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 21 ، والترمذي في القيامة باب 11 ، وابن ماجة في الزهد باب 37 ، وأحمد في المسند 3 / 213 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 4 ، باب 12 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 151 ، وأحمد في المسند 3 / 391 .