صديق الحسيني القنوجي البخاري

87

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم بِأَعْدائِكُمْ أيها المؤمنون ، وما يريدونه بكم من الإضلال فيخبركم بهم لتجتنبوهم ، والجملة اعتراضية وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا متوليا أمركم وقائما به وحافظا لكم منهم ، ومن كان اللّه وليه لم يضره أحد وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً ينصركم من مواطن الحرب ويمنعكم من كيدهم ، فاكتفوا بولايته ونصره ولا تتولوا غيره ولا تستنصروه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 46 ] مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 46 ) مِنَ الَّذِينَ هادُوا قوم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وقال الفراء التقدير من الذين هادوا من يحرفون كقوله : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] أي من له مقام ، وأنكره المبرد والزجاج وقيل بيان لقوله : الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ [ آل عمران : 23 ] والتحريف الإمالة والإزالة أي يميلونه ويزيلونه عن مواضعه ويجعلون مكانه غيره ، أو المراد أنهم يتأولونه على غير تأويله ، وإليه ذهبت طائفة من الفقهاء والمحدثين . وقال ابن عباس : يحرفون حدود اللّه في التوراة ، وقال مجاهد : تبديل اليهود التوراة ، وذمهم اللّه عز وجل بذلك لأنهم يفعلونه عنادا وبغيا وايثارا لعرض الدنيا . قال الحافظ ابن القيم رحمه اللّه في إغاثة اللهفان : وقد اختلف في التوراة التي بأيديهم هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل ؟ على ثلاثة أقوال قالت طائفة : كلها أو أكثرها مبدّل ، وغلا بعضهم حتى قال يجوز الاستجمار بها ، وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه والكلام إنما وقع التبديل في التأويل . قال البخاري في صحيحه يحرفون يزيلون ، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب اللّه ولكنهم يتأولونه على غير تأويله ، وهو اختيار الرازي أيضا وسمعت شيخنا يقول : وقع النزاع بين الفضلاء فأجاز هذا المذهب ووهى غيره ، فأنكر عليه فأظهر خمسة عشر نقلا به . ومن حجة هؤلاء أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وانتشرت جنوبا وشمالا ، ولا يعلم عدد نسخها إلا اللّه فيمتنع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ حتى لا تبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة ، وهذا مما يحيله العقل ، قالوا : وقد قال اللّه لنبيه قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ آل عمران : 93 ] قالوا : وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم ولم يمكنهم تغييرها من التوراة ولذا لما