صديق الحسيني القنوجي البخاري
88
فتح البيان في مقاصد القرآن
قرؤها على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وضع القارئ يده على آية الرجم ، فقال له عبد اللّه بن سلام ارفع يدك فرفعها فإذا هي تلوح تحتها . وتوسطت طائفة فقالوا : قد زيد فيها وغير أشياء يسير جدا ، واختاره شيخنا في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ، قال وهذا كما في التوراة عندهم أن اللّه سبحانه قال لإبراهيم : اذبح ابنك بكرك أو وحيدك إسحاق . قلت والزيادة باطلة من وجوه عشرة الأول : أن بكره ووحيده إسماعيل باتفاق الملل الثلاث . الثاني : أنه سبحانه أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها في برية مكة لئلا تغار سارة فأمره بابعاد السرية وولدها عنها فكيف يؤمر بعد هذا بذبح ابن سارة وابقاء ابن السرية ، وهذا مما لا تقتضيه الحكمة . الثالث : أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا ولذا جعل اللّه سبحانه ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأئمة بما كان من إبراهيم وولده هنالك . والرابع : أن اللّه بشر سارة أم إسحاق بإسحاق ومن ورائه يعقوب فبشرها بهما جميعا فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحاق وقد بشر أبويه بولد ولده . الخامس : أن اللّه لما ذكر قصة الذبح وتسليمه نفسه للّه وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها وبشرناها بإسحاق نبيا من الصالحين ، فشكر اللّه له استسلامه وبذل ولده له ، وجعل من آياته على ذلك أن آتاه إسحاق فنجى إسماعيل من الذبح وزاد عليه إسحاق . السادس : أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه الولد فأجاب دعاءه وبشره به فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى : وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [ الصافات : 99 - 101 ] فهذا دليل أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن ، وأما إسحاق فإنه بشر به من غير دعوة منه بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له ، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة ، ولذا تعجبت من حصول الولد منها . السابع : أن إبراهيم لم يقدم بإسحاق إلى مكة ألبتّة ، ولم يفرق بينه وبين أمه ، وكيف يأمره اللّه أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرّتها وفي بلدها ويدع ابن ضرتها . الثامن : أن اللّه لما اتخذ إبراهيم خليلا ، والخلّة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقا بربه ليس فيه سعة لغيره ، فلما سأل الولد وهب له إسماعيل فتعلّق به شعبة من قلبه ، فأراد خليله أن تخلص تلك الشعبة له فامتحنه بذبح ولده ، فلما امتثل خلصت تلك الخلة فنسخ الأمر بذبحه لحصول الغرض وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال ،