صديق الحسيني القنوجي البخاري
78
فتح البيان في مقاصد القرآن
قلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : نعم إني أحب أن أسمعه من غيري ، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال حسبك الآن ، فإذا عيناه تذرفان « 1 » ، أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري وأخرجه الحاكم وصحّحه من حديث عمرو بن حريث . يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ فيما أمرهم به من التوحيد لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وقرىء تسوى بفتح التاء وتشديد السين وبفتحها وتخفيف السين أي أن الأرض هي التي تسوى بهم أي أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها ، وقيل بهم بمعنى عليهم ، وعلى القراءة الأولى أي بالبناء للمفعول معناه لو سوى اللّه بهم الأرض فيجعلهم والأرض سواء حتى لا يبعثوا . وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً أي أنهم لا يقدرون على الكتم في مواطن دون مواطن ، قال ابن عباس لا يكتمون أي بجوارحهم ولا يقدرون على ذلك يعني تشهد عليهم الجوارح والأعضاء والزمان والمكان فلم يستطيعوا الكتمان ، قال الزجاج : هذا كلام مستأنف لأن ما عملوه ظاهر عند اللّه لا يقدرون على كتمانه ، وقال بعضهم : المعنى يودون أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا حديثا لأنه ظهر كذبهم . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 43 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً ( 43 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين لأنهم الذين كانوا يقربون الصلاة حال السكر ، وأما الكفار فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى ، قال أهل اللغة : إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تتلبس بالفعل ، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه . والمراد هنا النهي عن التلبس بالصلاة وغشيانها ، وبه قال جماعة من المفسرين ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، وقال آخرون المراد مواضع الصلاة وبه قال الشافعي ، وعلى هذا فلا بد من تقدير مضاف ، ويقوّي هذا قوله : وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ . وقالت طائفة : المراد الصلاة ومواضعها معا لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين ، فكانا متلازمين ، وسكارى جمع سكران مثل كسالى جمع كسلان ، وقرىء سكرى بالفتح وهو تكسير سكران وقرأ الأعمش : سكرى كحبلى .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 9 ، وفضائل القرآن باب 33 ، 35 ، ومسلم في المسافرين حديث 247 ، 248 .