صديق الحسيني القنوجي البخاري

79

فتح البيان في مقاصد القرآن

والسكر لغة السدّ ، ومنه قيل لما يعرض للمرء من شرب المسكر لأنه يسد ما بين المرء وعقله وأكثر ما يقال السكر لإزالة العقل بالمسكر ، وقد يقال ذلك لإزالته بغضب ونحوه من عشق وغيره ، والسكر بالفتح وسكون الكاف حبس الماء وبالكسر نفس الموضع المسدود ، وأما السكر بفتحهما فما يسكر به من المشروب ، ومنه سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [ النحل : 67 ] وقد ذهب العلماء كافة إلى أن المراد بالسكر هنا سكر الخمر إلا الضحاك فإنه قال سكر النوم ، وقال ابن عباس : النعاس ، وسيأتي بيان سبب نزول الآية وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال . حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر أي حتى يزول عنكم أثر السكر وتعلموا ما تقولونه وتصحوا وتفيقوا من السكر . فإن السكران لا يعلم ما يقوله . وقد تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع ، لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد ، وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة وهو قول الليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني واختاره الطحاوي وقال : أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز والسكران معتوه كالموسوس . وأجازت طائفة وقوع طلاقه وهو محكي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي . واختلف قول الشافعي في ذلك . وقال مالك : يلزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ولا يلزمه النكاح والبيع . وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والضياء في المختارة عن علي بن أبي طالب قال : صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » ، وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن الذي صلّى بهم عبد الرحمن . وروي بألفاظ من طرق . وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ الجنب لا يؤنّث ولا يثنّى ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب ، قال الفراء : جنب الرجل وأجنب من الجنابة وهو المشهور في اللغة والفصيح وبه جاء القرآن ، وقيل يجمع الجنب في لغة على أجناب مثل عنق وأعناق وطنب وأطناب . والمعنى جنبا بإيلاج وإنزال ونصبه على الحال ، والاستثناء مفرغ أي لا تقربوها

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 4 ، باب 12 ، وأحمد في المسند 1 / 379 .