صديق الحسيني القنوجي البخاري
64
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقد ثبت من الأدلة المتقدمة أن من الذنوب كبائر وصغائر ، وإليه ذهب الجمهور . واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب الكبائر بما أخرجه النسائي وابن ماجة وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم جلس على المنبر ثم قال « والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويؤدي الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفّق ، ثم تلا هذه الآية « 1 » . وعن ابن مسعود قال إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ، لقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها ، قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ النساء : 40 ] الآية وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] وقوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [ النساء : 64 ] الآية وقوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ النساء : 110 ] . وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً يعني حسنا شريفا مرضيا أي مدخلا تكرمون فيه ، والمراد بالمدخل بضم الميم وفتحها كما قرىء بهما في الآية مكان الدخول وهو الجنة ويجوز أن يكون مصدرا . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 32 ] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 32 ) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي ، فنهى اللّه سبحانه المؤمنين عن التمني لأن فيه تعلق البال ونسيان الآجال ، قاله القرطبي ، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل اللّه به غيره من الناس عليه ، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها اللّه بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة ، وفيه أيضا نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير . وعبارة القرطبي فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر ، وهذا هو الحسد بعينه ، وهو الذي ذمه اللّه تعالى أيضا ، ويدخل فيه خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه لأنه داعية إلى الحسد والمقت انتهى . قد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا ؟ وهي أن يكون له حال مثل حال
--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الطهارة باب 108 ، وابن ماجة في الجنائز باب 57 .