صديق الحسيني القنوجي البخاري

65

فتح البيان في مقاصد القرآن

صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه فذهب الجمهور إلى جواز ذلك ، واستدلوا بالحديث الصحيح : « لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار » « 1 » ، ورجل آتاه اللّه مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ، وقد بّوب عليه البخاري باب الاغتباط في العلم والحكم . وعموم لفظ الآية يقتضي تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوبا بما يصير به من جنس الحسد أم لا ، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصا لهذا العموم ، ومن الناس من منع من الغبطة أيضا كالإمام مالك قال لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين أو الدنيا . ونحوه قال الحسن : وسبب نزول الآية ما قال قتادة أن النساء قلن لو جعل أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال ، وقال الرجال إنا لنرجوا أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ فيه تخصيص بعد التعميم ، ورجوع إلى ما يتضمنه سبب نزول الآية من أن أم سلمة قالت : يا رسول اللّه تغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد ، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت « 2 » ، أخرجه عبد الرزاق وابن منصور وابن حميد والترمذي والحاكم والبيهقي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم . وقد روي نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة . والمعنى في الآية أن اللّه جعل لكل من الفريقين نصيبا على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته ، وعبّر عن ذلك المجهول لكل فريق من فريقي النساء والرجال بالنصيب مما اكتسبوا على طريق الاستعارة التبعية ، شبه اقتضاء حال كل فريق لنصيبه باكتسابه إياه . قال قتادة : للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب والعقاب ، وللنساء كذلك ، وللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال ، وقال ابن عباس : المراد بذلك الميراث والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة للذكر مثل حظّ الأنثيين ، فنهى اللّه عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد لأن اللّه أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم . وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ هذا الأمر يدل على وجوب سؤال اللّه سبحانه كما قاله

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 15 ، والزكاة باب 5 ، والأحكام باب 3 ، والتمنّي باب 5 ، والاعتصام باب 13 ، والتوحيد باب 45 ، وأحمد في المسند 2 / 9 ، 36 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 322 .