صديق الحسيني القنوجي البخاري
634
فتح البيان في مقاصد القرآن
يُخْلَقُونَ الضمير راجع إلى الشركاء أي وهؤلاء الذي جعلوهم شركاء من الأصنام والشياطين مخلوقون وجمعهم جمع العقلاء لاعتقاد من جعلهم شركاء أنهم كذلك . وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ أي لمن جعلهم شركاء نَصْراً أن طلبوه منهم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ أن حصل عليهم شيء من جهة غيرهم ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز . وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى هذا خطاب للمشركين بطريق الالتفات المنبىء عن مزيد الاعتناء بأمر التوبيخ والتبكيت ، وبيان لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر ، وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب أي وأن تدعوا هؤلاء الشركاء إلى الهدى والرشاد بأن تطلبوا منهم أن يهدوكم ويرشدوكم لا يَتَّبِعُوكُمْ ولا يجيبوكم إلى ذلك وهو دون ما تطلبونه منهم من جلب النفع ودفع الضر والنصر على الأعداء . قال الأخفش : معناه وإن تدعوهم أي الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم وقيل يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين والضمير المنصوب للمشركين ممن سبق في علم اللّه أنه لا يؤمن ، والمعنى وأن تدعوا أيها المؤمنون المشركين لا يتبعوكم وقرىء لا يتبعوكم مشددا ومخففا وهما لغتان وقال بعض أهل اللغة : اتبعه مخففا إذا مضى خلفه ولم يدركه واتبعه مشددا إذا مضى خلفه فأدركه . سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها أي دعاؤكم لهم عند الشدائد وعدمه سواء لا فرق بينهما لأنهم لا ينفعون ولا يضرون ، ولا يسمعون ولا يجيبون ، وقال أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ مكان أو صمتم لما في الجملة الاسمية من المبالغة في عدم إفادة الدعاء ببيان مساواته للسكوت الدائم المستمر ، وقال محمد بن يحيى : إنما جاء بالاسمية لكونها رأس آية يعني لمطابقة ولا أنفسهم ينصرون وما قبله . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ أخبرهم سبحانه بأن هؤلاء الذين جعلتموهم آلهة هم عبادا للّه كما أنتم عباد له مع أنكم أكمل منهم لأنكم أحياء تنطقون وتمشون وتسمعون وتبصرون ، وهذه الأصنام ليست كذلك ولكنها مثلكم في كونها مملوكة للّه مسخرة لأمره ، وهذا تقريع لهم بالغ وتوبيخ لهم عظيم ، قال مقاتل : إنها الملائكة والخطاب مع قوم كانوا يعبدونها ، والأول أولى وإنما وصفها بأنها عباد مع أنها جماد تنزيلا لها منزلة العقلاء على وفق معتقدهم ولذلك قال : فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ مقررة لمضمون ما قبلها من أنهم أن دعوهم إلى الهدى لا يتبعوهم وأنهم لا يستطيعون شيئا أي ادعوا هؤلاء الشركاء فإن كانوا كما تزعمون فليستجيبوا لكم ، وإنما ورد هذا اللفظ في معرض الاستهزاء بالمشركين إِنْ