صديق الحسيني القنوجي البخاري

635

فتح البيان في مقاصد القرآن

كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تدعونه لهم من قدرتهم على النفع والضرر وأنها آلهة . ثم بين غاية عجزهم وفضل عابديهم عليهم فقال : أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء ليس لهم شيء من الآلات التي هي ثابتة لكم فضلا عن أن يكونوا قادرين على ما تطلبونه منهم فإنهم كما ترون هذه الأصنام التي تعكفون على عبادتها ليست لهم أرجل يمشون بها في نفع أنفسهم ، فضلا عن أن يمشوا في نفعكم ، وليس لهم أيد يبطشون بها كما يبطش غيرهم من الأحياء ، وليس لهم أعين يبصرون بها كما تبصرون . وليس لهم آذان يسمعون بها كما تسمعون ، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من سلب الأدوات وبهذه المنزلة من العجز . وأم في هذه المواضع هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة كما ذكره أئمة النحو والاضراب المفاد ببل انتقال من توبيخ إلى توبيخ آخر ، والبطش هو الأخذ بقوة وعنف . ثم لما بين لهم حال هذه الأصنام وتعاور وجوه العجز والنقص لها من كل باب أمره اللّه بأن يقول لهم قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ الذين تزعمون أن لهم قدرة على النفع والضرر واستعينوا بهم في عداوتي حتى يتبين عجزها ثُمَّ كِيدُونِ أنتم وهم جميعا بما شئتم من وجوه الكيد فَلا تُنْظِرُونِ أي فلا تمهلوني ولا تؤخروا إنزال الضرر بي من جهتها والكيد المكر ، وليس بعد هذا التحدي لهم والتعجيز لأصنامهم شيء . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 196 إلى 200 ] إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ( 196 ) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 197 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 198 ) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) ثم قال : قل لهم إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ أي كيف أخاف هذه الأصنام التي هذه صفتها ولي وليّ ألجأ إليه وأستنصر به وهو اللّه عز وجل ، وهذه الجملة تعليل لعدم المبالاة بها وولي الشيء هو الذي يحفظه ويقوم بنصرته ويمنع منه الضرر والكتاب هو القرآن أي أوحى إلي وأعزني برسالته وَهُوَ الذي يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ أي يحفظهم وينصرهم ويحول بينهم وبين أعدائهم والصالحون هم الذين لا يعدلون باللّه شيئا ولا يعصونه وفي هذا مدح للصلحاء وأن من سنته نصرهم . وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ كرر سبحانه هذا لمزيد التأكيد والتقرير ولما في تكرار التوبيخ والتقريع ، من الإهانة للمشركين والتنقص بهم وإظهار سخف عقولهم ، وركاكة أحلامهم وقيل الأولى على