صديق الحسيني القنوجي البخاري
629
فتح البيان في مقاصد القرآن
كتب في الأزل أنهم يؤمنون فإنهم المنتفعون به فلا ينافي كونه بشيرا ونذيرا للناس كافة ، واللام في لقوم من باب التنازع ، فعند البصريين تتعلق ببشير ، وعند الكوفيين بنذير ، وقيل نذير بالنار للكافرين وبشير بالجنة للمؤمنين . وعلى هذا متعلق النذارة محذوف والذي أخبر به صلى اللّه عليه وآله وسلم عن المغيبات ، وقد جاءت بها أحاديث في الصحيح فهو من قبيل المعجزات . ومن قال إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ذلك على سبيل التواضع والأدب فقد أبعد النجعة بل قاله صلى اللّه عليه وآله وسلم معتقدا بذلك ، وأن اللّه هو المستأثر بعلم الغيب والمعجزات مخصصة من هذا العموم كما قال تعالى : إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 27 ] . هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ خطاب لأهل مكة مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي آدم قال جمهور المفسرين والتأنيث باعتبار لفظ النفس وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نعم اللّه على عباده وعدم مكافأتهم لها بما يجب من الشكر والاعتراف بالعبودية وأنه المتفرد بالإلهية . وَجَعَلَ مِنْها أي من هذه النفس وقيل من جنسها كما في قوله تعالى : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً [ النحل : 72 ] والأول أولى زَوْجَها وهي حواء خلقها من ضلع من أضلاعه لِيَسْكُنَ علة للجعل أي لأجل أن يأنس إِلَيْها ويطمئن بها فإن الجنس بجنسه أسكن وإليه آنس ، وكان هذا في الجنة كما وردت بذلك الأخبار ثم ابتدأ سبحانه بحالة أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما فقال : فَلَمَّا تَغَشَّاها أي آدم زوجه والتغشي كناية عن الوقاع أي فلما جامعها كنى به عن الجماع أحسن كناية لأن الغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشيها وتغشاها إذا علاها وتجللها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي علقت به بعد الجماع ، والمشهور أن الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على شجرة ، والحمل بالكسر خلافه وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح وهو هنا إما مصدر فينتصب انتصاب المفعول المطلق أو الجنين المحمول فيكون مفعولا به ، ووصفه بالخفة لأنه عند إلقاء النطفة أخف منه عند كونه علقة ، وعند كونه علقة أخف منه عند كونه مضغة ، وعند كونه مضغة أخف مما بعده ، وقيل إنه خف عليها هذا الحمل من ابتدائه إلى انتهائه ولم تجد منه ثقلا كما تجده الحوامل من النساء لقوله : فَمَرَّتْ بِهِ أي استمرت بذلك الحمل تقوم وتقعد وتمضي في حوائجها ، لا تجد به ثقلا ولا مشقة ولا كلفة ، وقرىء به بالتخفيف أي فجزعت لذلك ، وقرىء فمارت به من المور وهو المجيء والذهاب ، قال سمرة : حملا خفيفا لم يستبن فمرت به لما استبان حملها ، وقال ابن عباس : فمرت به أي شكت أحملت أم لا .