صديق الحسيني القنوجي البخاري
628
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 188 إلى 189 ] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا قال ابن جرير : يعني الهدى والضلالة وهذه الجملة متضمنة لتأكيد ما تقدم من عدم علمه بالساعة أيان تكون ومتى تقع لأنه إذا كان لا يقدر على جلب نفع له أو دفع ضر عنه . إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ سبحانه من النفع له والدفع عنه ، فبالأولى أن لا يقدر على علم ما استأثر اللّه بعلمه ، وفي هذا من اظهار العبودية والاقرار بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد ، والاعتراف بالضعف عن انتحال ما ليس له صلى اللّه عليه وآله وسلم ما فيه أعظم زاجر ، وأبلغ واعظ لمن يدعي لنفسه ما ليس من شأنها وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل أو الطرق بالحصى أو الزجر . قال النسفي : أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر كالمماليك إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عني ، والاستثناء منقطع ، وبه قال ابن عطية وهو أبلغ في إظهار العجز . ثم أكد هذا وقرره بقوله : وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ أي لو كنت أعلم جنس الغيب لتعرضت لما فيه الخير فجلبته إلى نفسي وتوقيت ما فيه السوء حتى لا يمسني ، ولكني عبد لا أدري ما عند ربي ولا ما قضاه فيّ وقدره لي ، فكيف أدري غير ذلك وأتكلف علمه ، وقيل المعنى لو كنت أعلم ما يريد اللّه عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته ، وقيل لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب ، وقيل لو كنت أعلم الغيب لأجبت على كل ما أسأل عنه ، وقيل لو كنت أعلم وقت الموت لاستكثرت من العمل الصالح ، وقيل لو كنت أعلم وقت الخصب والجدب لاعتددت من الخصب للجدب وقيل غير ذلك والأولى حمل الآية على العموم فيندرج هذه الأمور وغيرها تحتها . وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ كلام مسأنف أي ليس لي ما تزعمون من الجنون ، والأولى أنه متصل بما قبله والمعنى لو علمت الغيب ما مسني السوء ولحذرت عنه كما قدمنا ذلك وقال ابن جريج : لا يصيبني الفقر ، وقال ابن زيد : لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون ، وقال الكرخي : أي ما مسني سوء يمكن التفصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة بموانعه لا سوء ما فإن منه ما لا مدفع له . إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي ما أنا إلا مبلغ عن اللّه أحكامه لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي