صديق الحسيني القنوجي البخاري

627

فتح البيان في مقاصد القرآن

التي أخفاها اللّه واستأثر بعلمها ، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها مبينة لاستمرار تلك الحالة إلى حين قيامها . ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي عظمت على أهلهما وشقت على العالم العلوي والسفلي ، قيل معنى ذلك أنه لما خفي علمها على أهل السماوات والأرض كانت ثقيلة لأن كل ما خفي علمه ثقيل على القلوب ، وقيل المعنى لا تطيقها السماوات والأرض لعظمها لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب ، وقيل عظم وصفها عليهم ، وقيل ثقلت المسألة عنها . وقال ابن عباس : يعني ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة ثقلت لأن فيها فناءهم وموتهم وذلك ثقيل على الأفئدة ، وقيل كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة ويتمنى أن يتجلى له علمها ويشق عليه خفاؤها وثقل عليه ، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها أيضا . لا تَأْتِيكُمْ الساعة إِلَّا بَغْتَةً أي فجأة على حين غفلة من الخلق ، وقد ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة صحيحة هي معروفة وهذه الجملة كالتي قبلها في التقرير . يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها استئناف مسوق لبيان خطئهم في توجيه السؤال إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بناء على زعمهم أنه عالم بالمسؤول عنه ، قال ابن فارس : الحفي العالم بالشيء والحفي المستقصي في السؤال يقال أحفى في المسألة وفي الطلب فهو محف وحفي على التكثير مثل مخضب وخضيب ، والمعنى يسألونك عن الساعة كأنك عالم بها أو كأنك مستقص للسؤال عنها ومستكثر منه ومتطلع إلى علم مجيئها وعن بمعنى الباء . وقيل المعنى كأنك حفي بهم ، والأول هو معنى النظم القرآني على مقتضى المسلك العربي ، قال ابن عباس : يقول كأنك بينك وبينهم مودة وكأنك صديق لهم . قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ أمره اللّه سبحانه بأن يكرر ما أجاب به عليهم سابقا لتقرير الحكم وتأكيده ، قال في المدارك : وعلى هذا تكرير العلماء في كتبهم لا يخلو عن فائدة انتهى . وقيل ليس بتكرير بل أحدهما معناه استئثار اللّه بهذا وعدم علم خلقه به لم يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، والآخر الاستئثار بكنهها نفسها وثقلها وشدائدها . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن علمها عند اللّه وأنه استأثر به حتى لا يسألوا عنه وقيل لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفي علم وقت قيامها عن الخلق .