صديق الحسيني القنوجي البخاري
626
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل الضمير يرجع إلى ما تقدم من التفكر والنظر في الأمور المذكورة أي بأي حديث بعد هذا المتقدم بيانه يُؤْمِنُونَ وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره ، والجملة الاستفهامية سيقت للتعجب أي إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فكيف يؤمنون بغيره . وجملة مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ مقررة لما قبلها أي هذه الغفلة منهم عن هذه الأمور الواضحة البينة ليس إلا لكونهم ممن أضله اللّه ومن يضلله فلا يوجد له من يهديه إلى الحق وينزعه عن الضلالة البتة وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ أي يتحيرون وقيل يترددون ولا يهتدون سبيلا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 187 ] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 187 ) يَسْئَلُونَكَ استئناف مسوق لبيان بعض أحكام ضلالهم وطغيانهم والسائلون هم اليهود وقيل قريش عَنِ السَّاعَةِ أي القيامة وهي من الأسماء الغالبة واطلاقها على القيامة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو لأنها ساعة عند اللّه مع طولها في نفسها أَيَّانَ ظرف زمان مبنى على الفتح ومعناه متى واشتقاقه من أي وقيل من أين مُرْساها أي أيّ وقت ارساؤها واستقرارها وحصولها وكأنه شبهها بالسفينة القائمة في البحر مأخوذ من ارساها اللّه أي أثبتها . وقرىء بفتح الميم من رست أي ثبتت ومنه وَقُدُورٍ راسِياتٍ [ سبأ : 13 ] ومنه رسى الجبل ، والمعنى متى يثبتها ويوقعها ويرسيها اللّه ، ؟ وقال الطيبي : الرسو إنما يستعمل في الأجسام الثقيلة واطلاقه على الساعة تشبيه للمعاني بالأجسام ، وقال ابن عباس : منتهاها أي وقوعها ، قال : والساعة الوقت الذي تموت فيه الخلائق ، وظاهر الآية أن السؤال عن نفس الساعة ، وظاهر أيان مرساها أن السؤال عن وقتها فحصل من الجميع أن السؤال المذكور هو عن الساعة باعتبار وقوعها في الوقت المعين لذلك . ثم أمره اللّه سبحانه بأن يجيب عنهم بقوله : قُلْ إِنَّما عِلْمُها أي علم وقت ارسائها باعتبار وقوعها عِنْدَ رَبِّي قد استأثر به لا يعلمها غيره ولا يهتدي إليها سواه ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية لا يُجَلِّيها التجلية إظهار الشيء يقال جلى لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه أي لا يظهرها ولا يكشف عنها ، وقال مجاهد : لا يأتي بها ، وقال السّدّي : لا يرسلها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ سبحانه بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين . وفي استئثار اللّه سبحانه بعلم الساعة حكمة عظيمة وتدبير بليغ كسائر الأشياء