صديق الحسيني القنوجي البخاري
625
فتح البيان في مقاصد القرآن
والجنة مصدر أي وقع منهم التكذيب ولم يتفكروا أي شيء من جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون ؟ فإنهم لو تفكروا لوجدوا زعمهم باطلا وقولهم زورا وبهتانا . وقيل أي ليس بصاحبهم شيء مما يدعونه من الجنون فيكون هذا ردا لقولهم : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] ويكون الكلام قد تم عند قوله : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا والوقف عليه من الأوقاف الحسنة . عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قام على الصفا فدعا قريشا فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس اللّه ووقائع اللّه إلى الصباح حتى قال قائل : إن صاحبكم هذا لمجنون ، بات يصوت حتى أصبح فأنزل اللّه هذه الآية . وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم خالفهم في الأقوال والأفعال لأنه مكان معرضا عن الدنيا ولذاتها مقبلا على الآخرة ونعيمها مشتغلا بالدعاء إلى اللّه وانذار بأسه ونقمته ليلا ونهارا من غير ملال ولا ضجر فعند ذلك نسبوه إلى جنون فبرأه اللّه من الجنون وقال : إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي بين الإنذار والجملة مقررة لمضمون ما قبلها ومبينة لحقيقة حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الاستفهام للانكار والتوبيخ والتقريع ولقصد التعجب من إعراضهم عن النظر في الآيات البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده بالإلهية . وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد « 1 » والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم ، وقد تقدم بيانه ، والمعنى أن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر ، ولا نظروا في مخلوقات اللّه حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به بل هم متبادرون في ضلالتهم خائضون في غوايتهم لا يعملون فكرا ، ولا يمنعون نظرا . وَما خَلَقَ اللَّهُ أي ولم ينظروا فيما خلق مِنْ شَيْءٍ من الأشياء كائنا ما كان فأن في جميع مخلوقاته عبرة للمعتبرين وهو عظة للمتفكرين سواء كانت من جلائل مصنوعاته كملكوت السماوات والأرض أو من دقائقها من سائر مخلوقاته وَأَنْ أي أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فيموتون عن قريب ، والمعنى أنهم إذا كانوا يجوزون قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون به وينتفعون بالتفكر فيه والاعتبار به ، وافتعل هنا بمعنى الفعل المجرد أي قرب وقت أجلهم . فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ الضمير للقرآن وقيل لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وقيل للأجل المذكور قبله
--> ( 1 ) البيت من المتقارب ، وهو لأبي العتاهية في ديوانه ص 104 ، وتاج العروس ( عته ) .