صديق الحسيني القنوجي البخاري
624
فتح البيان في مقاصد القرآن
أولى ، لأن صيغة العموم تتناول الكل إلا ما دل الدليل على خروجه منه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ الاستدراج هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة والدرج كف الشيء يقال أدرجته ودرجته ومنه إدراج الميت في أكفانه وقيل هو من الدرجة فالاستدراج أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود ، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه ، وأدرج الكتاب طواه شيئا بعد شيء ، ودرج القوم مات بعضهم في إثر بعض . والمعنى سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها فينهمكون في الغواية ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم بذلك وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند اللّه من المنزلة والزلفة . قال الأزهري : سنأخذهم قليلا قليلا من حيث لا يحتسبون ، وقال السدي سنأخذهم من حيث لا يعلمون ، قال عذاب بدر : وعن يحيى بن المنى قال كلما أحدثوا ذنبا جددنا لهم نعمة تنسيهم الاستغفار ، وبه قال الضحاك وقال سفيان : نسبغ عليهم النعمة ونمنعهم شكرها ، وعن ثابت البناني أنه سئل عن الاستدراج فقال : ذلك مكر اللّه بالعباد المضيعين ، قال الكلبي : نزين أعمالهم ثم نهلكهم بها روي أن عمر بن الخطاب لما حمل إليه كنوز كسرى ، قال : اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 183 إلى 186 ] وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 184 ) أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 186 ) وَأُمْلِي الإملاء الإمهال والتطويل أي أطيل لَهُمْ المدة وأمهلهم ليتمادوا في الكفر والمعاصي وأؤخر عنهم العقوبة إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ جملة مقررة لما قبلها من الاستدراج والإملاء ومؤكدة له والكيد المكر والمتين الشديد القوي وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب لأنه أقوى ما في الحيوان وقد متن بالضم يمتن متانة أي قوي . والمعنى أن أخذي أو مكري شديد لا يطاق قال ابن عباس : كيد اللّه العذاب والنقمة قال في الكشاف سماه كيد لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان ، وفي الآية دليل على مسألة القضاء والقدر ، وأن اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا الاستفهام للانكار عليهم حيث لم يتفكروا في شأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفيما جاء به ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ما للاستفهام الإنكاري