صديق الحسيني القنوجي البخاري
623
فتح البيان في مقاصد القرآن
أولى لقوله : سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فإنه وعيد لهم بنزول العقوبة وتحذير للمسلمين أن يفعلوا كفعلهم . وقد ذكر مقاتل وغيره من المفسرين أن هذه الآية نزلت في رجل من المسلمين كان يقول : في صلاته يا رحمن يا رحيم فقال رجل من المشركين : أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين حكى ذلك القرطبي « 1 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 181 إلى 182 ] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 181 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 182 ) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أي من جملة من خلقه اللّه أُمَّةٌ وعصابة وجماعة يَهْدُونَ الناس متلبسين بِالْحَقِّ أو يهدونهم بما عرفوه من الحق وَبِهِ أي بالحق يَعْدِلُونَ بينهم قيل هم من هذه الأمة وهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان قاله ابن عباس . وعن الكلبي هم من آمن من أهل الكتاب وقيل هم العلماء والدعاة إلى الدين وقيل إنهم الفرقة الذين لا يزالون على الحق ظاهرين كما ورد في الحديث الصحيح عن معاوية قال وهو يخطب : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر اللّه لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك » « 2 » أخرجه البخاري ومسلم . وعن ابن جريج قال : ذكر لنا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « هذه أمتي يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون » ، وعن قتادة قال : بلغنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يقول إذا قرأها : هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة الآية . وعن الربيع في الآية قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى نزل أخرجه ابن أبي حاتم . وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه قيل وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة ، والبحث في ذلك مفصل في الأصول . ثم لما بين حال هذه الأمة الصالحة بين حال من يخالفهم فقال : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يريد به جميع المكذبين بآيات اللّه وهم الكفار وقيل المراد بهم أهل مكة والأول
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 7 / 321 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 28 ، ومسلم في الإمارة حديث 170 ، 174 ، والترمذي في الفتن باب 27 ، 51 ، وابن ماجة في المقدمة باب 1 ، وأحمد في المسند 3 / 436 ، 4 / 97 ، 101 ، 5 / 34 ، 35 ، 279 .