صديق الحسيني القنوجي البخاري

619

فتح البيان في مقاصد القرآن

الحق لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فَاقْصُصِ الْقَصَصَ الذي هو صفة الرجل المنسلخ عن الآيات عليهم فإن مثل الذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين من اليهود الذين نقص عليهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ذلك ويعملون فيه أفهامهم فينزجرون عن الضلال ويقبلون على الصواب ، وقيل هذا المثل لكفار مكة ولا وجه لتخصيصه بفرد دون فرد والأولى هو العموم . ساءَ مَثَلًا هذه الجملة متضمنة لبيان حال هؤلاء القوم البالغة في القبح إلى الغاية يقال ساء الشيء قبح فهو لازم وساءه يسوءه مساءة فهو متعد وهو من افعال الذم كبئس والمخصوص بالذم الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ أي ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا يتجاوزها ، وقيل المعنى أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات اللّه وظلم أنفسهم وهذا أفيد . مَنْ يَهْدِ اللَّهُ أي يرشده إلى دينه أو يتول هدايته فَهُوَ الْمُهْتَدِي لما أمر به وشرعه لعباده وَمَنْ يُضْلِلْ أي يتول ضلالته فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الكاملون في الخسران من هداه فلا مضل له ومن أضله فلا هادي له ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . أخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردوية والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد اللّه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في خطبته يحمد اللّه ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول : « من يهدي اللّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، أصدق الحديث كتاب اللّه وأحسن الهدى هدى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار » « 1 » ، ثم يقول : « بعثت أنا والساعة كهاتين » « 2 » . فلو كان الهدى من اللّه البيان كما قالت المعتزلة لاستوى الكافر والمؤمن إذ البيان ثابت في حقهما فدل أنه من اللّه التوفيق والعصمة والمعونة ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 179 إلى 180 ] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 180 ) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ أي خلقنا للتعذيب بها خلقا كَثِيراً مِنَ طائفتي الْجِنِّ

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجمعة حديث 43 ، وأبو داود في السنة باب 5 ، والنسائي في العيدين باب 22 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، والدارمي في المقدمة باب 16 ، 23 ، وأحمد في المسند 3 / 310 ، 371 ، 4 / 126 ، 127 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 39 ، ومسلم في الجمعة حديث 43 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، وأحمد في المسند 4 / 309 ، 5 / 92 ، 103 ، 108 .