صديق الحسيني القنوجي البخاري

620

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَالْإِنْسِ جعلهم سبحانه للنار بعدله وبعمل أهلها يعملون وقد علم ما هم عاملون قبل كونهم كما ثبت في الأحاديث الصحيحة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن النجار عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لما ذرأ لجهنم من ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم » ، وعن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أن اللّه خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » ، أخرجه مسلم « 1 » . لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها شيئا من أمور الآخرة ، جعل سبحانه قلوبهم لما كانت غير فاقهة لما فيه نفعهم ورشادهم غير فاقهة مطلقا ، وإن كانت تفقه في غير ما فيه النفع والرشاد فهو كالعدم والفقه في اللغة الفهم والعلم بالشيء يقال فقه الرجل فهو فقيه إذا فهم ، وهكذا معنى وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها طريق الهدى والحق وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الحق فإن الذي انتفى من الأعين هو إبصار ما فيه الهداية بالتفكر والاعتبار وإن كانت مبصرة في غير ذلك ، والذي انتفى من الآذان هو سماع المواعظ النافعة والشرائع التي اشتملت عليها الكتب المنزلة وما جاءت به رسل اللّه عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا يسمعون غير ذلك . أُولئِكَ المتصفون بهذه الأوصاف كَالْأَنْعامِ أي البهائم في انتفاء انتفاعهم بهذه المشاعر مع وجودها فيهم ، والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك استعمال بعض جوارحه فيما لا يصلح له ثم جعلهم شرا من الأنعام فقال : بَلْ هُمْ أَضَلُّ أي حكم عليهم بأنهم أضل منها لأنها تدرك بهذه الأمور ما ينفعها ويضرها فتنتفع بما ينفع وتجتنب ما يضر وهؤلاء لا يميزون بين ما ينفع وما يضر باعتبار ما طلبه اللّه منهم وكلفهم به بل يقدمون على النار معاندة أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ حكم عليهم بالغفلة الكاملة لما هم عليه من عدم التمييز الذي هو من شأن من له عقل وبصر وسمع . وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ ذكر ذلك في أربع سور في القرآن : أولها هذه السورة ، وثانيها في آخر بني إسرائيل ، وثالثها في أول طه ، ورابعها في آخر الحشر ، وهذه الآية مشتملة على الإخبار من اللّه سبحانه بما له من الأسماء على الجملة دون التفصيل ، و الْحُسْنى تأنيث الأحسن أي التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول ، وقيل الحسنى مصدر وصف به كالرجعي وأفرده كما أفرد وصف ما لا يعقل . وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جبير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مسنده وابن مردويه وأبي نعيم

--> ( 1 ) كتاب القدر ، حديث 31 .