صديق الحسيني القنوجي البخاري

612

فتح البيان في مقاصد القرآن

الآية من باب التمثيل كما في قوله تعالى فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] وبه قال الشيخ أبو منصور والزجاج والزمخشري . وقيل المعنى أن اللّه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد وأنه جعل فيها من المعرفة ما فهمت به خطابه سبحانه ، وقيل المراد ببني آدم هنا نفسه كما وقع في غير هذا الموضع ، والمعنى أن اللّه سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد وهؤلاء هم عالم الذر وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ولا المصير إلى غيره لثبوته مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وموقوفا على غير واحد من الصحابة ولا ملجىء للمصير إلى المجاز ، وإذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل . وقد ذكر البيضاوي والنسفي القولين وكذا الرازي وأبو السعود وغيرهما من المفسرين الذين مستهم الفلسفة ، والحق ما ذكرناه وإليه ذهب جمهور المفسرين . وقد أخرج مالك في الموطأ وأحمد في المسند وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والضياء في المختارة عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية فقال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يسأل عنها فقال : « إن اللّه خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون » فقال رجل : يا رسول اللّه ففيم العمل فقال : « إن اللّه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار » « 1 » . ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر ، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر بن الخطاب رجلا قال البغوي : قلت ذكر الطبري في بعض طرق هذا الحديث الرجل فقال عن مسلم بن يسار عن يعمر بن ربيعة عن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بنحوه ، وفي الباب عن أبي هريرة يرفعه عند الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وفيه قصة اعطاء آدم ابنه داود أربعين سنة من عمره . واختلف الناس في كيفية الاستخراج على أقوال لا مستند لها والحق وجوب اعتقاد اخراجها من ظهر آدم كما شاء اللّه تعالى كما ورد في الصحيح ، قال المقبلي في الأبحاث

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في تفسير سورة 7 ، باب 2 ، ومالك في القدر حديث 2 ، وأحمد في المسند 1 / 45 .