صديق الحسيني القنوجي البخاري
613
فتح البيان في مقاصد القرآن
المسددة : ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات الواردة في ذلك ، وقال بعضهم الظاهر أنه استخرجهم أحياء لأنه سماهم ذرية والذرية هم الاحياء لقوله : أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ [ يس : 41 ] قال ابن عباس : إن أول ما أهبط اللّه آدم إلى الأرض أهبطه بدهناء أرض الهند فمسح ظهره فأخرج منه كل نسمة هو بارئها إلى يوم القيامة ثم أخذ عليهم الميثاق واشهدهم على أنفسهم أي أشهد كل واحد منهم . أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي قائلا هذا فهو على إرادة القول ، وفي هذه الآية رد على أهل المعاني في قولهم : إن الإغراق غير مقبول ما لم يقارن كاد ، ونحو هذا مما شهد به الذوق السليم وزكى شهادته الطبع المستقيم . قال الشهاب في الريحانة : وهذا وإن سلمه علماء المعاني والبيان إلا أنه محتاج إلى الإيضاح والبيان فإنه يعترض عليه بما يعارضه ويكدره ورود ما يناقضه كقوله عز وجل هذا . فإنه بمعناه إذ إخراج الذرية من الظهور قبل الخلق والظهور وأخذ الميثاق والعهود مما يقتضي الترغيب والترهيب ، وهذا على سبيل التحقيق دون التخييل والتقدير . وقد ذكر هذا في حديث الصحيحين المعلوم عند علماء الحديث ولهم فيه طريقان مشهوران وهو مما خفي على كثير من العلماء ولهم فيه كلام محتاج للإيضاح فأقول لعلماء التفسير فيه طريقان : الأول : إنه من المتشابه الذي استأثر اللّه تعالى بعلمه ، وعلى هذا لا يبقى فيه اشكال ، ولا للبحث عنه مجال . الثاني : إن له معنى جليلا قام عليه أقوى برهان ودليل ، فمنهم من ذهب إلى أنه استعارة وتمثيل نزّل فيه وضوح الأدلة القائمة على توحيده تعالى وصحة أحكام الشريعة المركوزة في الفطرة السليمة منزلة بروزهم في الخارج ، وأخذ العهود منزلة اتباع ما ذكر وتسليمه والعمل بمقتضاه ، فلا يرد عليه شيء مما ذكر . ونحن نقول : إن الأمر الذي وقع فيه المبالغة لا يخلو إما أن يقع بعد زمان بعيد كالساعة أو لا يقع ، وهو إما محال متعذر الوقوع له نظائر ومشابه أو لا ، الأول مقبول لتنزيل المتحقق الوقوع منزلة الواقع ، وكذا الثاني لإمكان أن يراد مجاز أو كناية والأخير هو محل الكلام ، والذي عليه أهل المعاني أنه مردود ما لم يقترن به مسوغ مثل كاد ونحوها ، والآية ليست من هذا القبيل لإسنادها للّه الذي أبرز المعدومات ما أرحام العدم ، ولا يقتضي قدرته شيء في القدم ، فما علينا إلا الإيمان بذلك ، وما لم تصل له أفهامنا نكله إليه ونسأله أن يهدينا للوقوف عليه ، وكفى هذا الاحتمال في مثل هذه الحال ، وما بعد الهدى إلا الضلال انتهى . قالُوا بَلى شَهِدْنا أي على أنفسنا بأنك ربنا ، واختلفوا في الإجابة هذه كيف