صديق الحسيني القنوجي البخاري

609

فتح البيان في مقاصد القرآن

بأنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم وقوة نهمتهم ، والعرض بفتح الراء جميع متاع الدنيا كما يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير ، والأدنى مأخوذ من الدنو وهو القرب أي يأخذون عرض هذا الشيء الأدنى وهو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشا وما هو مجعول لهم من السحت في مقابلة تحريفهم لكلمات اللّه وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة وكتمهم لما يكتمونه منها . وقيل إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط أي أنهم يأخذون عرض الشيء الدنيء الساقط التافه الخسيس الحقير ، والمعنى متقارب لأن الدنيا بأسرها حقيرة فانية والراغب فيها أحقر منها . وعن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية فقال : أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون سيغفر لنا ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه ، وقال مجاهد : هم النصارى يأخذون عرض هذا الأدنى ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالا أو حراما يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة ، وإن يجدوا مثله يأخذوه كما سيأتي . وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا أي ويعللون أنفسهم بالمغفرة مع تماديهم في الضلالة وعدم رجوعهم إلى الحق ، ويتمنون على اللّه الأماني الباطلة الكاذبة والمراد بهذا الكلام التقريع والتوبيخ لهم ، عن شداد بن أوس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني » « 1 » ، أخرجه الترمذي ، وكان اليهود يقدمون على الذنوب ويقولون سيغفر لنا . وهذا هو التمني بعينه والحال أنهم إِنْ يَأْتِهِمْ كما يؤخذ من الكشاف ، وقال السفاقسي أنه مستأنف عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي مثل الذي كانوا يأخذونه أخذوه غير مبالين بالعقوبة ولا خائفين من التبعة ، وقيل الضمير في يأتهم : ليهود المدينة أي : وإن يأت هؤلاء اليهود الذين هم في عصر محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم عرض مثل العرض الذي كان يأخذه أسلافهم أخذوه كما أخذ أسلافهم . أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ أي على هؤلاء المرتشين في أحكامهم ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ أو للتقرير ، فالمعنى أخذ عليهم الميثاق لأن القصد منه إثبات ما بعد النفي مِيثاقُ الْكِتابِ أي التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فيما يوجبون على اللّه من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون إليها ولا يتوبون منها قاله ابن عباس :

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة باب 25 ، وابن ماجة في الزهد باب 31 ، وأحمد في المسند 4 / 124 ،