صديق الحسيني القنوجي البخاري
610
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَ الحال أنهم قد دَرَسُوا ما فِيهِ أي الكتاب وعلموه ولم يأتوه بجهالة فكان الترك منهم عن علم لا عن جهل ، وذلك أشد ذنبا وأعظم جرما وقيل معناه : محوه بترك العمل به وإلفهم له من قولهم درست الريح الآثار إذا محتها وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ من ذلك العرض الذي أخذوه وآثروه عليها وارتشوا في الأحكام لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ اللّه ويخافون عقابه ويجتنبون معاصيه أَ فَلا تَعْقِلُونَ فتعلمون بهذا وتفهمونه ، وفي هذا الالتفات من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره . وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ قرأ الجمهور بالتشديد من مسّك بالشيء وتمسك به أي استمسكوا بالكتاب وهو التوراة وقرىء بالتخفيف من أمسك مسك ، والمعنى أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون بالكتاب ولا يعملون بما فيه مع كونهم قد درسوه وعرفوه وهم من تقدم ذكرهم ، وطائفة يتمسكون بالكتاب أي التوراة ويعملون بما فيه ويرجعون إليه في أمر دينهم فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند اللّه وقال عطاء : هم أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي داموا على إقامتها في مواقيتها ، قال الحسن : هي لأهل الإيمان منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه وقال مجاهد : هي لليهود والنصارى وإنما وقع التنصيص على الصلاة مع كونها داخلة في سائر العبادات التي يفعلها المتمسكون بالتوراة لأنها رأس العبادات وأعظمها وعماد الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر وكان ذلك وجها لتخصيصها بالذكر ، وقيل لأنها تقام في أوقات مخصوصة والتمسك بالكتاب مستمر فذكرت لهذا وفيه نظر ، فإن كل عبادة في الغالب تختص بوقت معين إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ الجملة خبر الذين وفيه وضع الظاهر موضع المضمر . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 171 إلى 172 ] وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 171 ) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) وَإِذْ أي اسألهم إذ والغرض من هذا إلزام اليهود والرد عليهم في قولهم : إن بني إسرائيل لم يصدر منهم مخالفة في الحق نَتَقْنَا النتق اختلفت فيه عبارات أهل اللغة فقال أبو عبيدة : هو قلع الشيء من موضعه والرمي به ومنه نتق ما في الجراب إذا نفضه فرمى ما فيه ، وامرأة ناتق ومنتاق إذا كانت كثيرة الولادة ، وفي الحديث « عليكم بزواج الأبكار فإنهن أنتق أرحاما وأطيب أفواها ، وأرضى باليسير » « 1 » ، وقيل النتق الجذب بشدة ومنه نتقت السقاء إذا جذبته بشدة لتقلع الزبدة من فمه ، وقال الرفع ، وقال ابن قتيبة هو الزعزعة وبه فسر مجاهد .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في النكاح باب 7 .