صديق الحسيني القنوجي البخاري

591

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأما حلول الروح عليه وإظهاره الدينونة للعوام واتصافه بهذه الصفات المرضية فلا دلالة لها على كونه ابن اللّه وخاتم الأنبياء ، لأن نزول الروح مما يختص بالأخيار واظهار الدينونة مما يختص بالملوك ، ولا تشك أن روح القدس قد حلت عليه ، وأنه قد أخبرنا بالدينونة العظمى التي هي محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لكنه يدل على أن عيسى عليه السلام عبد اللّه ورسوله وهو ممنوع . وأما اظهار الدينونة واتكال العوام عليه ، فليس كما أوله النصارى ، بل إنما المراد بالاظهار الاخبار ، وباتكال العوام عليه ، اتكالهم على ذلك الاخبار لا غير ، وإلا لفسد المعنى لأن حلول الروح عليه واظهاره الدينونة للعوام وعدم صراخه وصياحه إلى آخره مقيد بأخبار الدينونة للنصرة واتكال العوام على اسمه ووقوع المشروط عين اطلاق الشرط فما يكون بعد ذلك . فإن قلت سيكون سلطانا شديدا منعته لعدم وقوعه وعدم ادعاء النصارى به ، وإن قلت شيطانا عنيدا منعته لتقدس ذاته وانكار النصارى له . ولأني أقول أن كان عيسى ابن مريم هو المخصوص بهذا النص فبعد إخراج الدينونة للنصرة واتكال العوام على اسمه لا بد أن ترفع عنه روح اللّه التي حلت عليه ، لكن المسيح هو المقصود بهذا النص ينتج أن روح اللّه قد رفعت عنه ، والتالي باطل المقدم مثله . أما بطلان التالي فلأن روح اللّه لا ترتفع عن أنبيائه ، وأما بطلان المقدم فلصدق استثناء نقيضه . إذا علمت ذلك فاعلم أيدك اللّه بروحه القدسية أن خلاصة هذا النص أنه تعالى قد أخبر بأن عيسى عليه السلام هو نبيه الذي انتخب في ذلك الزمان ومحبوبه الذي رضي عليه في تلك الأيام ، ووعد أنه سيحل عليه روحه ، وسيظهر الدينونة أي القضاء للعوام أي يخبر بها ووصفه بالسكوت وعدم المكابرة ردعا لليهود لأنهم يقولون إن المسيح ملك عظيم الشأن وقيد ذلك باخراج الدينونة للنصرة التي هي محمد صلى اللّه عليه وسلم . وفي بعض التراجم « حتى يخرج الحكم بالغلبة » عوض « يخرج الدينونة للنصرة » وهما مترادفتان لأنه هو الذي نصر دين اللّه وباتكال العوام على اسمه أي عليه يعني على اخباره يريد بذلك أن العوام سيتكلون على اخباره حين ظهور محمد صلى اللّه عليه وسلم فيؤمنون به ، فتكون هذه الأمور غاية بعثته عليه السلام وبعد نفوذها يؤوب إلى مآبه الأصلي سواء كان بالصلب ثم الرفع أو بالرفع بغير الصلب ، فتفكر في هذا المقام فإنه دقيق وأمعن نظرك فيه . وفي كتاب يهودا وكتاب زكريا ان الرب قد جاء أو سيجيء بربوات مقدسة