صديق الحسيني القنوجي البخاري

592

فتح البيان في مقاصد القرآن

ليقضي على جميع الناس ، ويوبخ المنافقين لجميع أعمال نفاقهم التي نافقوا بها وجميع الأقوال الصعبة التي تكلم بها عليه الخاطئون انتهى . ودلالة هذا النص على انبعاث نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم بديهية لا تحتاج إلى نظر لانحصار جميع هذه الصفات في ذاته المقدسة لكونه مبعوثا بالسيف أي بالجهاد ولوثوبه بربوات صناديد العرب ولقضائه على جميع الناس ولتوبيخه أهل النفاق ، ولا تقل إنه لم يقض على جميع الناس لما صرحت لك فيما قبل هذا بأن الإجماع عبارة عن أعظم النصفين . وأما استدلال النصارى بهذه الدلالة على ربوبية المسيح نقلا عن صحيفة زكريا فلا شك في صحة النقل إلا أنه لا دلالة فيه على ما ادعوه مطلقا ولا على ثبوته بل ولا دلالة له عليه بوجه من الوجوه ، لأن المنصوص عليه بالاتيان بهذه الربوات المقدسة والقضاء على جميع الناس وتوبيخ المنافقين ينبغي أن يقوم بالأمر لجد الحديد الأخضر ، ولا دلالة لشيء من هذه الصفات على المسيح عليه السلام لأنه لم يأت إلا في زي بعض الزهاد المتخلقين بالمسوح والرماد . وإلا فإن كان المسيح هو المقصود بهذا النص فلا شك أنه قد قهر اليهود وصلب بيلاطوس النبتي لكن المسيح هو المقصود بهذا النص فيكون كذلك والتالي باطل فالمقدم مثله ، أما بطلان التالي فلعدم وقوع ذلك ولإنكار النصارى إياه ، وأما بطلان المقدم فلصدق استثناء نقيضه ، وكيف يجوز العقل احتياج الاله في الانتقام من الأعداء إلى الجند والسلاح . فإن قيل إنه ليس بإله لكنه ابن اللّه ، قلت لا أسلم عدم الألوهية لأن جميع النصارى قد اتفقوا في تفسير هذا النص بالألوهية قوله من الأعمال « فاحتاطوا على أنفسكم وعلى الرعية التي أقامكم الروح القدس عليها أساقفة لترعوا كنيسة اللّه التي اقتناها بخالص دمه » مع أن الضمير يرجع إلى عيسى المذكور باللفظ وإلى الروح القدس الذي هو عبارة عن نفس المسيح ، فتأمل فيه . ومع قطع النظر عن هذا كله إذا كان ابن اللّه يجب على أبيه أن يذب عنه . وفي مرقص وفي متى ثم طفق يضرب لهم الأمثال ويقول اغترس رجل كرما وحوطه بحائط وبحث فيه معصرة وبنى برجا وآجره للفلاحين وسافر ، ولما جاء الموسم أرسل إلى الفلاحين خادما لينال من ثمرة الكرم شيئا فأخذوه وضربوه وردوه خائبا فأرسل إليهم خادما ثانيا فرجموه وشجوه وردوه محقرا ثم أرسل ثالثا فقتلوه وكثيرين آخرين ضربوا بعضهم وقتلوا بعضا وكان قد بقي له ابن وحيد هو محبوبه فأرسله إليهم آخر الأمر وقال إنهم سيكرمون ابني فقال الفلاحون فيما بينهم إن هذا هو الوارث فهلموا بنا نقتله فيصير الميراث لنا فأخذوه وقتلوه وأخرجوه خارج الكرم فماذا