صديق الحسيني القنوجي البخاري

590

فتح البيان في مقاصد القرآن

وإلا فأقول إن عيسى ابن مريم ابن إسرائيل وإسرائيل أخ لنفسه ينتج أن عيسى ابن مريم ابن أخ لنفسه ، وليس الأمر كذلك أما الصغرى فلاعتراف النصارى بأن المسيح من أولاد داود ولا شك أن داود من أولاد إسرائيل وولد الولد ولد ، وأما الكبرى فلما ظهر من هذا النص من أن أخ الإنسان عبارة عن نفسه . وأجيب بمنع الصغرى لأن الأخوين لفظان متباينان لا يصدق أحدهما على مفهوم الآخر وإلا يلزم ترادف المتباينين وهو باطل ، ولا يرد عليه مثل البيع لأن العمدة في اللغة السماع ولم ينقل عن أحد فيكون المنصوص عليه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بلا مناقشة بدليل قوله : « فاسمعوا جميع ما يأمركم به » الخ لأن عيسى عليه السلام لم يأت في دعوته بقهر يجبر به القوم لأن دعوته كانت على سبيل الترغيب لا غير . وإلا فليكن المسيح هو المنصوص عليه ، وحينئذ أقول كل نصراني يسلم أو يتهود يجب عليه القتل وكل نصرانية تزني يجب عليها الرجم لقوله : ( كل نفس ) الخ لكن النصراني إذا ارتد والنصرانية إذا زنت لا يحدا ، فالمسيح ليس بمنصوص عليه في هذا المقام ، أما المقدم فلوضوح النص في قوله : ( كل نفس لا تسمح ) الخ لأنه أمر بالاستقامة على الدين والإحصان وإلا فليس بنبي ، وأما التالي فلعدم إجراء الحدود في ملته ألم تر أن النصراني يسلم ويتهود ويتبرهم ولا يجب عليه حد ، وأنه ربما ينقض جميع سنن الإنجيل وأحكامه ويرتكب ما يخالفهما ولا ينكر عليه أحد . وهذا بخلاف ملة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فإن عدم امتثال بعض أوامره يوجب هرق الدم وازهاق الأنفس فيكون هو المنصوص عليه بهذا النص ، وهذا هو معنى قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ التوبة : 33 ] . وفي إنجيل متى وفي كتاب أشعيا هذا هو عبدي الذي انتخبت ومحبوبي الذي رضيت عليه فسأحل روحي عليه وسيظهر للعوام الدينونة ولن يصرخ ولن يصيح ولن يسمع صوته في الأزقة أحد ، ولكن يكسر قصبة مرضوضة ولن يطفئ ذبالة مدخنة حتى يخرج الدينونة المنصرة ويتكل على اسمه العوام انتهى ، وهذا نص صريح على اثبات نبوة نبينا صلى اللّه عليه وسلم . وأما استدلال النصارى بهذا على كون المسيح ابن اللّه وخاتم الأنبياء فلا دلالة لها عليه إذ الجزاء فيه اتكال العوام عليه ، وقد صلب أو رفع ولم يتكل عليه العوام ، وقد مضى من ارتفاعه أو صلبه إلى زمان تحرير هذه السطور 1879 سنة ولم يجتمع عليه من العوام أحد إلا اليونانيون والأرمن والجروج والفرنج وبعض الحبش ، وهذا ليس بإجماع لأن أقل مراتب الإجماع أعظم النصفين ، وقد يظهر لك بالنظر في الجغرافيا أن النصارى أقل من عشر غيرهم فينتقض الإجماع .