صديق الحسيني القنوجي البخاري
59
فتح البيان في مقاصد القرآن
اليهود خاصة ، وقيل هم المجوس لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب وبنت الأخ ، والأول أولى . أَنْ تَمِيلُوا تعدلوا عن الحق وقصد السبيل بالمعصية فتكونوا مثلهم مَيْلًا عَظِيماً يعني بإتيانكم ما حرم اللّه عليكم ، والميل العدول عن طريق الاستواء ، ووصف الميل بالعظيم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة نادرا . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ يسهل عَنْكُمْ أحكام الشرع بما مر من الترخيص أو بكل ما فيه تخفيف عليكم وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً عاجزا غير قادر على ملك نفسه ودفعها عن شهوتها قليل الصبر عن النساء ، فلا صبر له عنهن وفاء بحق التكليف . فهو محتاج من هذه الحيثية إلى التخفيف ، فلهذا أراد اللّه سبحانه التخفيف ، وقيل هو ضعيف في أصل الخلقة لأنه خلق من ماء مهين ، وقيل إنه لضعفه يستميله الهوى فهو ضعيف العزم عن الهوى . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 29 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان المحرمات المتعلقة بالإبضاع لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعني بالحرام الذي لا يحل في الشرع ، والباطل ما ليس بحق ، ووجوه ذلك كثيرة كالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور ، وأخذ الأموال باليمين الكاذبة ونحو ذلك ، ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع . وإنما خص الأكل بالذكر ونهى عنه تنبيها على غيره من جميع التصرفات الواقعة على وجه الباطل ، لأن معظم المقصود من المال الأكل ، وقيل يدخل فيه أكل مال نفسه بالباطل ومال غيره ، أما أكل ماله بالباطل فهو إنفاقه في المعاصي ، وأما أكل مال غيره فقد تقدم معناه ، وقيل يدخل في أكل المال بالباطل جميع العقود الفاسدة . إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ، وهذا الاستثناء منقطع أي لكن أموال تجارة صادرة عن تراض منكم وطيب نفس جائزة بينكم ولكم أن تأكلوها ، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم حلالا لكم لأن التجارة ليست من جنس أكل المال بالباطل ، ولأن الاستثناء وقع على الكون ، والكون معنى من المعاني ليس مالا من الأموال ، فكان إلا هنا بمعنى لكن . وقوله عن تراض صفة لتجارة أي كائنة عن تراض ، وإنما نص اللّه سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات كالهبة والصدقة لكونها أكثرها وأغلبها ، ولأن أسباب