صديق الحسيني القنوجي البخاري

589

فتح البيان في مقاصد القرآن

البدن والثوب بالمقراض ، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية وترك العمل في السبت ، وإن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس إلى غير ذلك . فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أي بمحمد صلى اللّه عليه وسلم واتبعوه فيما جاء به من الشرائع وَعَزَّرُوهُ أي عظموه ووقروه قاله الأخفش وقيل معناه منعوه من عدوه وأصل العزر المنع وَنَصَرُوهُ أي قاموا بنصره على من يعاديه وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي القرآن الذي أنزل عليه مع نبوته وقيل المعنى واتبعوا القرآن المنزل إليه مع اتباعه بالعمل بسنته مما يأمر به وينهي عنه أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه . أُولئِكَ إشارة إلى المتصفين بهذه الأوصاف هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون الفائزون بالخير والفلاح والهداية لا غيرهم من الأمم . وهذه الآية فيها دلالة واضحة وحجة نيرة على كون ذكر نبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ثابتا في الكتب القديمة ، فلنذكر ههنا ما يوافقها منها فأقول : قال أهل الكتاب يجب على النبي أن يكون منصوصا عليه فيما قبله من الكتب ، ومحمد لم يكن منصوصا عليه فليس بنبي ، أما الصغرى فلأنه لو لم يكن منصوصا عليه لأشكل على الأمة معرفته ، وأما الكبرى فلعدم وجود النص . والجواب عنه بمنع الصغرى لأنه لا يجب أن يكون منصوصا عليه في سجل من قبله لأن شرط صدق النبوة الاتيان بالخارقة ، ولو كان شرطه النص لامتنع الاستعجاز وعليه أهل التحقيق فيبطل القياس ، وبمنع الكبرى لأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم قد نص عليه موسى ويوشع وداود وسليمان وأشعيا وارميا وملاخيا وزكريا وعيسى عليهم السلام فيكون نبيا . ومن البراهين على اثبات نبوته صلى اللّه عليه وسلم ما ورد في الأعمال من كتاب الاستثناء « وسيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم نبيا مثلي فاسمعوا جميع ما يأمركم به فإن كل نفس لا تسمع أمر ذلك النبي تستأصل من بين القوم » . وهذا هو الدليل الذي تمسك به جماعة من المسلمين على نبوته صلى اللّه عليه وسلم وأثبتوا دلالته على ذلك بعشر وجوه ذكرت في محلها ، وفسره النصارى في شأن المسيح وزعموا أنه هو الذي وعد به موسى لأنه تولد في دار يوسف بن يعقوب بن متان من زوجته مريم بنت عمران ، وهذا التفسير بديهي البطلان إذ لو كان المراد به نبيا من بني إسرائيل لكان الأولى به يوشع بن نون أو اشمويل أو العزير أو داود أو سليمان أو أشعيا أو غيره من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ، ولكنه تعالى فرزه عن بني إسرائيل بقوله : « من إخوتكم » نظرا إلى أنهم نفس إسحاق فتكون إخوتهم بنو إسماعيل بلا مناقشة . وهذا حوار مطرد عند اليهود والعرب كما قال : « سيأتي المنقذ من صهيون ويخرج النفاق من يعقوب » أي من بني يعقوب إلى غير ذلك .