صديق الحسيني القنوجي البخاري
58
فتح البيان في مقاصد القرآن
نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغض من النفس وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ هذا كالتأكيد لما تقدم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 26 إلى 28 ] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 26 ) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ( 27 ) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً ( 28 ) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ استئناف مسوق لتقرير ما سبق من الأحكام وبيان كونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين ، واللام هنا لام كي التي تعاقب أن ، ومنه يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [ الصف : 8 ] وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [ الشورى : 15 ] وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ الأنعام : 71 ] وهذا مذهب الكوفيين ، وخطأ الزجاج هذا القول . وقيل اللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال أو لتأكيد إرادة التبيين ، وبه قال الزمخشري والسمين . . ومعنى الآية يريد اللّه أن يبين لكم مصالح دينكم وما يحل لكم وما يحرم عليكم ، وقيل يبين لكم ما يقربكم منه ، وقيل يبين أن الصبر عن نكاح الأمة خير لكم . وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي طرقهم في تحريم الأمهات والبنات والأخوات فإنها كانت محرمة على من قبلكم وهم الأنبياء وأتباعهم لتقتدوا بهم وَ يريد أن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته فتوبوا إليه وتلافوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ذنوبكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ فيما دبر أمورهم . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ هذا تأكيد لما قد فهم من قوله ويتوب عليكم المتقدم ، وقيل الأول معناه الإرشاد إلى الطاعات ، والثاني فعل أشباهها . وقيل إن الثاني لبيان كمال منفعة إرادته سبحانه ، وكمال ضرر ما يريده الذين يتبعون الشهوات ، وليس المراد به مجرد إرادة التوبة حتى يكون من باب التكرير للتأكد . قيل هذه الإرادة منه سبحانه في جميع أحكام الشرع ، وقيل في نكاح الأمة فقط ، وقال ابن عباس : معناه يريد أن يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحب ويرضى ، وقيل معناه يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم ، وقيل معناه إن وقع منكم تقصير في دينه فيتوب عليكم ويغفر لكم . وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ المراد بالشهوات هنا ما حرمه الشرع دون ما أحله ، اختلف في تعيين متبعي الشهوات فقيل هم الزناة وقيل اليهود والنصارى وقيل