صديق الحسيني القنوجي البخاري
579
فتح البيان في مقاصد القرآن
معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور المفسرين ، والخوار : الصياح يقال : خار يخور خوارا إذا صاح ، وكذلك خار يخار ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعا مع أنه اتخذه السامري وحده لكونه واحدا منهم وهم راضون بفعله . روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة قال السامري لبني إسرائيل وكان مطاعا فيهم : إن معكم حليا من حلى آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد وخرجتم وهو معكم ، وقد أغرق اللّه أهله من القبط فهاتوه فدفعوه إليه فاتخذ منه العجل المذكور . قال قتادة : فجعله جسدا لحما ودما له خوار قال عكرمة : صوت ، وقيل كان جسدا لا روح فيه وكان يسمع منه صوت من خفق الريح والأول أولى لأنه كان يخور قال وهب : كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك ، وقال السدي : كان يخور ويمشي وقرأ علي وأبو السماك له جؤار بالجيم والهمزة وهو الصوت الشديد . أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي : ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلها لا يقدر على تكليمهم فضلا عن أن يقدر على جلب نفع لهم أو دفع ضر عنهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أي طريقا واضحة يسلكونها وعلى كلا التقديرين لا يصلح لأن يعبد اتَّخَذُوهُ إلها ، وأعيد تأكيدا وَكانُوا ظالِمِينَ لأنفسهم في اتخاذه إلها أو في كل شيء ومن جملة ذلك الاتخاذ . وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات ، يقال للنادم المتحير : قد سقط في يده قال الأخفش : يقال سقط وأسقط ، ونقله أيضا الفراء والزجاج إلا أن الفراء قال : سقط أي الثلاثي أكثر وأجود . وهذه اللفظة تستعمل في الندم والتحير ، وقد اضطربت أقوال أهل اللغة في أصلها ، قال الواحدي : قد بان من أقوال المفسرين وأهل اللغة أن سقط في يده ندم وأنه يستعمل في صفة النادم ، فأما القول في أصله ومأخذه فلم أر لأحد من أئمة اللغة شيئا أرتضيه فيه إلا ما ذكره الزجاج فإنه قال : إنه بمعنى ندموا . وقال أبو عبيدة : يقال لمن ندم على أمر وعجز عنه سقط في يده ، وقال الزمخشري : معناه لما اشتد ندمهم ، ومن قال : سقط على البناء للفاعل فالمعنى عنده : سقط الندم وأصله أن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه قد وقع فيها ، وفي الجمل سقط فعل ماض مبني للمجهول وأصله سقطت أفواههم على أيديهم ، ف ( في ) بمعنى ( على ) وذلك من شدة الندم فإن العادة إن الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عض بفمه على أصابعه فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم فاطلق اسم اللازم وأريد الملزوم على سبيل الكناية .