صديق الحسيني القنوجي البخاري
580
فتح البيان في مقاصد القرآن
وهذا التركيب لم تعرفه العرب إلا بعد نزول القرآن ، ولم يوجد ذلك في أشعارهم والسقوط : عبارة عن النزول من أعلى إلى أسفل ، وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم : معنى سقط في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان محالا أن يكون في اليد تشبيها لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد ، قال تعالى : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [ الحج : 10 ] . وأيضا الندم وإن حلّ القلب فأثره يظهر في اليد لأن النادم يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى ، قال تعالى : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [ الكهف : 42 ] ومنه : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ [ الفرقان : 27 ] أي من الندم وأيضا النادم يضع ذقنه في يده . وَرَأَوْا أي تبينوا وتيقنوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا باتخاذهم العجل وأنهم قد ابتلوا بمعصية اللّه سبحانه في عبادتهم العجل قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة باللّه والتضرع والابتهال في السؤال والاعتراف بعظم ما أقدموا عليه من الذنب ، والندم على ما صدر منهم والرّغب إلى اللّه في إقامة عثرتهم واعترافهم على أنفسهم بالخسران أن لم يغفر لهم ربهم ويتب عليهم ويتجاوز عنهم ويرحمهم ، وسيأتي في سورة طه أن شاء اللّه ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى ، وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 150 إلى 151 ] وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً هذا بيان لما وقع من موسى بعد رجوعه ، والآسف : شديد الغضب قاله محمد بن كعب ، وقيل هو منزلة وراء الغضب أشد منه ، قاله أبو الدرداء ، وقال ابن عباس والسدي : الأسف الحزن والأسيف الحزين ، قال الواحدي : والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب ، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا يقال : هو أسف وأسيف وأسفان وأسوف . قال ابن جرير الطبري : أخبره اللّه قبل رجوعه بأنهم قد فتنوا ، وأن السّامري قد أضلهم فلذلك رجع وهو غضبان أسفا .