صديق الحسيني القنوجي البخاري

573

فتح البيان في مقاصد القرآن

عند رؤيتي له فَسَوْفَ تَرانِي أي تثبت لرؤيتي ، وإن ضعف عن ذلك فأنت منه أضعف ، ولا طاقة لك ، فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل ، وقيل هو من باب التعليق بالمحال ، وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدمنا . وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتي المعتزلة والأشعرية ، فالمعتزلة استدلوا بقوله لن تراني كما تقدم وبأمره بأن ينظر إلى الجبل . والأشعرية قالوا : إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة ، ولا يخافك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله والخلاف بينهم هو فيها لا في الرؤية في الدنيا فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة وكلامهم فيها معروف . فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ تجلى معناه ظهر من قولك جلوت العروس أي أبرزتها وجلوت السيف : خلّصته من الصّدأ . وتجلى الشيء : انكشف ، والمعنى فلما ظهر ربه ، وقيل المتجلي هو أمره وقدرته ، قاله قطرب وغيره لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا الدك مصدر بمعنى المفعول أي جعله مدكوكا مدقوقا فصار ترابا ، هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة والدك والدق أخوان وهو تفتيت الشيء وسحقه ، وقيل تسويته بالأرض . وقرأ أهل الكوفة دكاء على التأنيث والجمع دكّاوات كحمراء وحمراوات وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض أو للأرض المستوية . فالمعنى أن الجبل صار صغيرا كالرابية أو أرضا مستوية . قال الكسائي : الدوك الجبال العراض واحدها أدك والدكاوات جمع دكاء وهي رواب من طين ليست بالغلاظ ، والدكادك ما التبد من الأرض فلم يرتفع وناقة دكّاء لا سنام لها ، قال سهل بن سعد الساعدي : دكا يعني مستويا بالأرض وقيل ترابا ، وقيل ساخ حتى وقع في البحر . وقال عطية العوفي : صار رملا هائلا ، وقال الكلبي : يعني كسر جبالا صغارا ، قيل واسم الجبل زبير ، قال الضحاك : أظهر اللّه من نوره مثل منخر الثور ، وقال ابن سلام وكعب : ما تجلى إلا مثل سم الخياط ، وقال السدي : إلا قدر الخنصر . وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وغيرهم عن أنس بن مالك أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قرأ هذه الآية جعله دكا قال : « هكذا وأشار بأصبعيه ووضع ابهامه على أنملة الخنصر ، وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وخر موسى صعقا « 1 » ، وفي لفظ فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في تفسير سورة 7 ، باب 1 . ( 2 ) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند 2 / 267 .