صديق الحسيني القنوجي البخاري

572

فتح البيان في مقاصد القرآن

ولما سمع موسى كلام ربه عز وجل اشتاق إلى رؤيته وسأله بقوله : قالَ رَبِّ أَرِنِي أي أرني نفسك قاله الزجاج وقال ابن عباس : أعطني وأرني فعل أمر مبني على حذف الياء ، والمعنى مكني من رؤيتك وهيئني لها فإن فعلت بي ذلك أَنْظُرْ إِلَيْكَ فتغاير الشرط والجزاء ، وبالجملة فقد سأله النطر إليه اشتياقا إلى رؤيته لمّا أسمعه كلامه . وسؤال موسى للرؤية يدل على أنها جائزة عنده في الجملة ، ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها . قالَ لَنْ تَرانِي جملة مستأنفة لكونها جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل فما قال اللّه ؟ والمعنى : لن تراني بعين فانية بالسؤال بل بعين باقية بالعطاء والنوال أو أنه لا يراه في هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه أو أنه لا يرى ما دام الرائي حيا في دار الدنيا ، وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة ، والجدال في مثل هذا أو المراوغة لا تأتي بفائدة . ومنهج الحق واضح ، ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه أباه وأهل بلده مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب ، والمتعصب وإن كان بصره صحيحا فبصيرته عمياء وأذنه عن سماع الحق صماء ، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل ، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلة منه وجهلا بما أوجبه اللّه عليه من النظر الصحيح ، وتلقّي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم . وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع ، فإنه صار بها باب الحق مرتجا وطريق الإنصاف مستوعرة ، والأمر للّه سبحانه والهداية منه . يأبى الفتى إلا اتباع الهوى * ومنهج الحق له واضح ولم يقل لن أرى ليكون نفيا للجواز ولو لم يكن مرئيا لأخبر بأنه ليس بمرئي ، إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان ، وقد تمسك أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية وقالوا لن للتأبيد والدوام ، وهذا غلط إذ ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل اللغة العربية ولم يقل به أحد منهم . والكتاب والسنة على خلاف ذلك فقد قال تعالى في حق اليهود وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [ البقرة : 95 ] مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة كما قال تعالى : وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] وقوله : يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ [ الحاقة : 27 ] والسنة أكثر من أن تحصى وعبّر بلن تراني دون لن تنظر إليّ مع أنه المطابق لقوله : أَنْظُرْ إِلَيْكَ لأن الرؤية هي المقصودة والنظر مقدمتها وقد يحصل دونها . وأما المطابقة في الاستدراك بقوله : وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فواضحة لأن المقصود منه تعظيم أمر الرؤية . ومعناه أنك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوة وهو الجبل فانظر إليه فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ وبقي على حاله ولم يتزلزل