صديق الحسيني القنوجي البخاري
571
فتح البيان في مقاصد القرآن
وتفقد أحوالهم واحملهم على عبادة اللّه تعالى : وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ أي لا تسلك سبيل العاصين ولا تكن عونا للظالمين ، قال ابن عباس : إن موسى قال لقومه : إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلّف هارون فيكم ، فلما فصل موسى إلى ربه زاده اللّه عشرا فكانت فتنتهم في العشر التي زاده اللّه ، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري قد أبصر جبريل فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب ، ثم ذكر قصة السامري . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 143 ] وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا اللام للاختصاص أي كان مجيئه مختصا بالميقات المذكور بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود ، وكان يوم الخميس وكان يوم عرفة وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي أسمعه كلامه من غير واسطة ولا كيفية وأزال الحجاب بين موسى وبين كلامه فسمعه وليس المراد أنه أنشأ كلاما سمعه لأن كلام اللّه قديم ولم نر في التفاسير هنا بيان ما فهمه موسى من ذلك الكلام . أخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات من حديث جابر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لما كلم اللّه موسى يوم الطور كلّمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ناداه فقال له موسى : يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به ؟ قال يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا يا موسى صف لنا كلام الرحمن فقال لا تستطيعونه ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموه فذاك قريب منه وليس به » ، وفيه دليل على كلام اللّه مع موسى . قال الزمخشري : تكليمه أن يخلق الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه محفوظا في الألواح انتهى وإليه ذهب المعتزلة وهو مذهب فاسد يرده الكتاب والسنة وأين للشجر وذلك الجرم أن يقول إنني أنا اللّه الآية . وذهب الحنابلة ومن وافقهم من أهل الحديث أن كلامه تعالى حروف وأصوات مقطعة وأنه قديم وهو الحق وقد نطق به السنة المطهرة ، وقال جمهور المتكلمين : إن كلامه صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وأرادوا به الكلام النفسي . ولا توجد له رائحة في السنة المطهرة ، وكذا ما ذكره الشيخ في التأويلات : أن موسى سمع صوتا دالا على كلام اللّه وهو ظاهر البطلان لمخالفة نص القرآن . وقد سكت جمع من السلف والخلف عن الخوض في تأويل صفة كلام اللّه تعالى . وقالوا إنه متكلم بكلام قديم يليق بذاته بحرف وصوت لا يشبه كلام المخلوق ليس كمثله شيء وله المثل الأعلى .