صديق الحسيني القنوجي البخاري
570
فتح البيان في مقاصد القرآن
من الذل والهوان إلى العز والرفعة فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره . وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي اذكروا وقت إنجائنا لكم من آل فرعون بعد أن كانوا مالكين لكم يستعبدونكم فيما يريدونه منكم ويمتهنونكم بأنواع الامتهان ، هذا على أن هذا الكلام محكي عن موسى ، وأما إذا كان في حكم الخطاب لليهود الموجودين في عصر محمد فهو بمعنى إذكروا إذ أنجينا أسلافكم حال كونهم يسومونكم سوء العذاب ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما كانوا فيه مما أنجاهم منه . يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ مفسرة للجملة التي قبلها أو بدل منها وقد سبق بيان ذلك وَفِي ذلِكُمْ أي هذا العذاب الذي كنتم فيه بَلاءٌ عليكم نعمة أو محنة مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وقد تقدم تفسيرها في البقرة والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غيره حتى تقولوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 142 ] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( 142 ) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً نكلمه عند انتهائها بأن يصومها وهي ذو القعدة لإعطاء التوراة وَأَتْمَمْناها أي المواعدة المفهومة من واعدنا أو ثلاثين ليلة قاله الحوفي والأول أولى بِعَشْرٍ ليال من ذي الحجة للتقرب قاله ابن عباس ومجاهد ، وفي مصحف أبيّ وتممناها بالتضعيف وحذف تمييز بعشر لدلالة الكلام عليه . فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ الميقات هو الوقت الذي قدر أن يعمل فيه عمل من الأعمال ، ولهذا قيل : مواقيت الحج أي وقت وعده بكلامه إياه أَرْبَعِينَ لَيْلَةً هذا من جملة ما كرم اللّه به موسى عليه السلام وشرفه . ولقد أجمل ذكر الأربعين في البقرة وذكر هنا على التفصيل وضرب هذه المدة موعدا لمناجاة موسى ومكالمته ، قاله مجاهد وابن عباس ، قيل وكان التكليم في يوم النحر ، والفائدة في أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مع العلم بأن الثلاثين والعشر أربعون لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها فبين أن العشر غير الثلاثين ، وفي نصب أربعين ثلاثة أوجه : أحدها : أنه حال قاله الزمخشري أي تم بالغا هذا العدد . الثاني : على المفعول به . الثالث : على الظرف قاله ابن عطية وفيه ضعف . وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي أي كن خليفتي فيهم وَأَصْلِحْ أمر بني إسرائيل بحسن سياستهم والرفق بهم