صديق الحسيني القنوجي البخاري

57

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومن لم يحصن ، فإن أمة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها « 1 » ، الحديث . وأما ما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، « وليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج فإذا أحصنت بزوج ، فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب » فقد قال ابن خزيمة والبيهقي إن رفعه خطأ والصواب وقفه . والفاحشة هنا الزنا فعليهن نصف ما على المحصنات أي الحرائر الأبكار إذا زنين ، لأن الثيب عليها الرجم ، وهو لا يبعّض ، وقيل المراد بالمحصنات هنا المزوجات لأن عليها الجلد والرجم ، والرجم لا يتبعّض فصار عليهن نصف ما عليهن من الجلد ، فيجلدن خمسين ويغرّبن نصف سنة . والمراد بالعذاب هنا الجلد ، وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر لأنهن أضعف ، وقيل لأنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر ، وقيل لأن العقوبة تجب على قدر النعمة كما في قوله تعالى : يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ الأحزاب : 30 ] ولم يذكر اللّه سبحانه في هذه الآية العبيد وهم لاحقون بالإماء بطريق القياس وكما يكون على الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا كذلك يكون عليهم نصف الحد في القذف والشرب . ذلِكَ أي نكاح المملوكات عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ العنت الوقوع في الإثم وقيل الزنا وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر ثم استعير لكل مشقة ، وأريد به هنا ما يجر إليه الزنا من العقاب الدنيوي والأخروي ، والمعنى ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الشبق والغلمة وشدة الشهوة على الزنا . وإنما سمي الزنا بالعنت لما يعقبه من المشقة وهي شدة العزوبة فأباح اللّه تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروط : عدم القدرة على نكاح الحرة وخوف العنت وكون الأمة مؤمنة ، وفي القاموس العنت الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان ولقاء الشدة والزنا والوهي والانكسار واكتساب المآثم ، وأعنته غيره وعنته تعنيتا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه . مِنْكُمْ بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحل له نكاحها ، وكذا من استطاع طول حرة ، وعليه الشافعي وكذا مالك وأحمد . أَنْ تَصْبِرُوا أي صبركم عن نكاح الإماء خَيْرٌ لَكُمْ من نكاحهن لأن

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحدود حديث 34 ، والترمذي في الحدود باب 13 ، وأحمد في المسند 1 / 156 .