صديق الحسيني القنوجي البخاري

564

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 131 ] فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 131 ) ثم بين إنهم عند نزول العذاب وتلك المحن عليهم والشدة لم يزدادوا إلا تمردا وكفرا كما قال تعالى : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أي الخصلة الحسنة من الخصب بكثرة المطر وصلاح الثمار ورخاء الأسعار والسعة والعافية والسلامة من الآفات قالُوا لَنا هذِهِ أي أعطيناها باستحقاق وهي مختصة بنا ونحن أهلها على العادة التي جرت لنا في سعة الأرزاق وصحة الأبدان ، ولم يروا ذلك من فضل اللّه فيشكروه على إنعامه . وَإِنْ تُصِبْهُمْ خصلة سَيِّئَةٌ من الجدب والقحط ، وكثرة الأمراض ونحوها من البلاء قيل ووجه تعريف الحسنة أنها كثيرة الوقوع وتعلق الإرادة بإحداثها ، ووجه تنكير السيئة ندرة وقوعها وعدم القصد لها إلا بالتبع . هذا من محاسن علم المعاني ، قال مجاهد : الحسنة العافية والرخاء والسيئة بلاء وعقوبة يَطَّيَّرُوا يتشاءموا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنين به ، وقد كانت العرب تتطير بأشياء من الطيور والحيوانات ، ثم استعمل بعد ذلك في كل من تشاءم بشيء في قول جميع المفسرين ، ومثل هذا قوله تعالى : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [ النساء : 78 ] . أَلا التصدير بكلمة التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمونه و إِنَّما أداة حصر طائِرُهُمْ أي سبب خيرهم وشرهم بجميع ما ينالهم من خصب وقحط عِنْدَ اللَّهِ يأتيهم به ليس بسبب موسى ومن معه ، وكان هذا الجواب على نمط ما يعتقدونه وبما يفهمونه ولهذا عبر بالطائر عن الخير والشر الذي يجري بقدر اللّه وحكمته ومشيئته وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بهذا بل ينسبون الخير والشر إلى غير اللّه جهلا منهم والحق أن الكل من اللّه . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 132 إلى 133 ] وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) وَقالُوا بعد ما رأوا من شأن العصا والسنين ونقص الثمار مَهْما اسم شرط تَأْتِنا بِهِ من عند ربك مِنْ آيَةٍ بيان لمهما ، وسموها آية استهزاء بموسى كما يفيده ما بعده وهو لِتَسْحَرَنا بِها أي لتصرفنا عما نحن عليه كما يفعل السحرة بسحرهم ، وضمير به عائد مهما وضمير بها عائد إلى آية وقيل : إنهما عائدان إلى مهما وتذكير الأول باعتبار اللفظ وتأنيث الثاني باعتبار المعنى . فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أخبروا عن أنفسهم أنهم لا يؤمنون بشيء مما يجيء به من الآيات التي هي في زعمهم من السحر .