صديق الحسيني القنوجي البخاري

549

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي إسحاق قال : ذكر لي يعقوب بن أبي مسلمة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا ذكر شعيبا قال « ذاك خطيب الأنبياء » لحسن مراجعته قومه فيما يريدهم به فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلادهم وعتوا على اللّه أخذهم عذاب يوم الظلة » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 94 إلى 96 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 96 ) وَما أَرْسَلْنا لما فصل اللّه سبحانه أحوال بعض الأنبياء مع أممهم وهم المذكورون سابقا أجمل حال سائر الأمم المرسل إليها ، والمعنى ما أرسلنا في حال من الأحوال فِي قَرْيَةٍ من القرى مِنْ مزيدة لتوكيد النفي نَبِيٍّ من الأنبياء فكذبه أهلها إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها استثناء مفرغ من أعم الأحوال بِالْبَأْساءِ أي البؤس وشدة الفقر وَالضَّرَّاءِ أي وبالضر . وقال الزجاج : البأساء كل ما نالهم من الشدة في أموالهم والضراء كل ما نالهم من الأمراض ، وقيل البأساء الشدة وضيق العيش ، والضراء سوء الحال ، وقد تقدم تفسيرهما لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أي لكي يتضرعوا ويتذللوا فيدعوا ما هم عليه من الاستكبار وتكذيب الأنبياء ، وفيه تخويف وتحذير لكفار قريش وغيرهم من الكفار لينزجروا عما هم عليه من الكفر والتكذيب . ثُمَّ أي بعد الأخذ لأهل القرى بَدَّلْنا هم مَكانَ السَّيِّئَةِ التي أصبناهم بها من البلاء والامتحان الخصلة الْحَسَنَةَ فصاروا في خير وسعة وأمن وصحة ، وقال ابن عباس أي مكان الشدة الرخاء قال أهل اللغة السيئة كل ما يسوء صاحبه ، والحسنة كل ما يستحسنه الطبع والعقل ، فأخبر اللّه في هذه الآية بأنه يؤاخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج . حَتَّى عَفَوْا يقال عفا النبات إذا كثر وتكاثف ومنه إعفاء اللحى ، واللحى بالضم والكسر كما في كتاب العين ، وعفا درس فهو من الأضداد والمراد هنا إنهم كثروا عددا وعددا . وَقالُوا عند أن صاروا في الرخاء بعد الشدة قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أي إن هذا الذي مسنا من البأساء والضراء ثم من الرخاء والخصب من بعد هو أمر وقع لآبائنا قبلنا مثله ، فمسّهم من البأساء والضراء ما مسنا ومن النعمة والخير ما نلناه ،