صديق الحسيني القنوجي البخاري

550

فتح البيان في مقاصد القرآن

ومرادهم أن هذه العادة الجارية في السلف والخلف ، وإن ذلك ليس من اللّه سبحانه ابتلاء لهم واختبارا لما عندهم . وفي هذا من شدة عنادهم وقوة تمردهم وعتوهم ما لا يخفى ، ولهذا عاجلهم اللّه بالعقوبة ولم يمهلهم كما قال فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي فجأة عقب أن قالوا هذه المقالة من دون تراخ ولا إمهال ليكون ذلك أعظم لحسرتهم ، والمراد من ذكر هذه القصة أن يعتبر من سمعها فينزجر وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بذلك العذاب النازل بهم ولا يترقبونه . وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى التي أرسلنا إليها رسلنا ، ويجوز أن تكون اللام للجنس والمراد لو أن أهل القرى أين كانوا وفي أي بلد سكنوا آمَنُوا بالرسل المرسلين إليهم وَاتَّقَوْا ما صمموا عليه من الكفر ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي يسرنا لهم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي خيرهما كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها قيل المراد بخير السماء المطر وبخير الأرض النبات والثمار . والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك من الخيرات والأنعام والأرزاق ، والأمن والسلامة من الآفات وجميع ما فيهما وكل ذلك من فضل اللّه وإحسانه ، وأصل البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء ويسمى المطر بركة السماء لثبوت البركة فيه ، وكذا ثبوت البركة في نبات الأرض لأنه نشأ من بركات السماء وهي المطر ، وقال البغوي : أصل البركة المواظبة على الشيء أي رفعنا عنهم القحط والجدب وتابعنا عليهم المطر والنبات . وَلكِنْ كَذَّبُوا بالآيات والأنبياء ولم يؤمنوا بهم ولا اتقوا وقد اكتفى بذكر الأول لاستلزامه للثاني فَأَخَذْناهُمْ بأنواع العذاب بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بسبب ما كسبوا من الكفر والذنوب الموجبة لعذابهم ومن جملتها قولهم قد مس آباءنا الآية . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 97 إلى 100 ] أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ( 97 ) أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 98 ) أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) أَ فَأَمِنَ الاستفهام للتقريع والتوبيخ وهو مثل أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ المائدة : 50 ] والفاء للعطف على أخذناهم بغتة وما بينهما اعتراض ، والمعنى أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى ، ذكره أبو السعود وبه قال الزمخشري . قال الشيخ : وهذا رجوع عن مذهبه في مثل ذلك إلى مذهب الجماعة ، وذلك