صديق الحسيني القنوجي البخاري

542

فتح البيان في مقاصد القرآن

يكن لهم جواب إلا هذا القول المبائن للانصاف المخالف لما طلبه منهم ، وأنكره عليهم . إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أي يتنزهون من أدبار الرجال والنساء والتطهر تعليل لما أمروا به من الاخراج ووصفهم بالتطهر يمكن أن يكون على حقيقته ، وانهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه الفاحشة فلا يساكنوننا في قريتنا ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق السخرية والاستهزاء ، وقيل إن البعد عن المعاصي والآثام يسمى طهارة فمن تباعد عنهما فقد تطهر . فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أخبر سبحانه أنه أنجى لوطا وأهله المؤمنين به ، وقيل المراد بأهله المتصلون به بسبب النسب أو المراد ابنتاه ، واستثنى امرأته من الأهل لكونها لم تؤمن به ، والمعنى أنها كانت من الباقين في عذاب اللّه لأنها كانت كافرة ، يقال غبر الشيء إذا مضى وغبر إذا بقي فهو من الأضداد وحكى ابن فارس في المجمل عن قوم أنهم قالوا الماضي عابر بالمهملة ، والباقي غابر بالمعجمة . وقال الزجاج : من الغائبين عن النجاة ، وقال أبو عبيد : المعنى من المعمرين وكانت قد هرمت وأتى عليها دهر طويل ثم هلكت ، وأكثر أهل اللغة على أن الغابر الباقي ، قال سعيد بن أبي عروبة : كان قوم لوط أربعة آلاف ولم يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 84 إلى 85 ] وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 84 ) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 85 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً قيل أمطر بمعنى أرسل المطر وقال أبو عبيد : مطر في الرحمة وأمطر في العذاب وهذا مردود بقوله تعالى : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [ الأحقاف : 24 ] فإنهم إنما عنوا بذلك الرحمة وهو من أمطر رباعيا ومطر وأمطر بمعنى واحد ، والمعنى هنا أن اللّه أمطر عليه حجارة من سجيل قد عجنت بالكبريت والنار . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ هذا خطاب لكل من يصلح له ولمحمد صلى اللّه عليه وسلم قاله الأصفهاني في تفسيره ، وسيأتي في هود قصة لوط بأبين مما هنا ، قال مجاهد : نزل جبريل فادخل جناحه تحت مداين قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم اتبعوا بالحجارة . وَ أرسلنا إِلى مَدْيَنَ اسم قبيلة وقيل اسم بلد والأول أولى ، وسميت القبيلة باسم أبيهم وهو مدين بن إبراهيم كما يقال بكر وتميم ، وقيل مدين اسم الماء الذي كانوا عليه ، وقيل مشترك بينهما .