صديق الحسيني القنوجي البخاري

54

فتح البيان في مقاصد القرآن

والقول الأول هو المطابق لمعنى الآية ولا يخلو ما عداه عن تكلف ، فلا يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره . أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر الْمُؤْمِناتِ هو جري على الغالب فلا مفهوم له ، ومعنى الآية فمن لم يستطع منكم غنى وسعة في ماله يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات فَمِنْ ما أي فلينكح مما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني جارية أخيك المؤمن ، ودخلت الفاء في قوله : فَمِنْ ما مَلَكَتْ لتضمن المبتدأ معنى الشرط وقد عرفت أنه لا يجوز للرجل الحر أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرة كما ذهب إليه الشافعي ، والشرط الثاني ما سيذكره اللّه سبحانه آخر الآية من قوله : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ فلا يحل للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت . والمراد هنا الأمة المملوكة للغير ، وأما أمة الإنسان نفسه فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها . مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وقد استدل بهذا على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية ، وبه قال أهل الحجاز وجوّزه أهل العراق ، والفتيات جمع فتاة وهي الشابة من النساء والعرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة ، وفي الحديث الصحيح : لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي « 1 » . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان المذكوران أي كلكم بنو آدم وأكرمكم عند اللّه أتقاكم فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر ، والجملة اعتراضية تفيد أن الإيمان كاف في نكاح الأمة المؤمنة ولو ظاهرا ، ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها علما يقينا فإن ذلك لا يطلع عليه إلا اللّه تعالى . بَعْضُكُمْ مِنْ جنس بَعْضٍ أي أنهم متصلون في الأنساب ، لأنهم جميعا بنو آدم ومتصلون في الدين لأنهم جميعا أهل ملة واحدة وكتابهم واحد ونبيهم واحد ، والمراد بهذا توطية نفوس العرب لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء ويستصغرونهم ويغضون منهم ويسمون ابن الأمة الهجين ، فاعلم اللّه أن ذلك أمر لا يلتفت إليه فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من التزويج بالإماء فإنكم متساوون في النسب إلى آدم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العتق باب 17 ، ومسلم في الألفاظ حديث 13 ، 15 ، وأبو داود في الأدب باب 75 ، وأحمد في المسند 2 / 316 ، 423 ، 463 ، 484 ، 491 ، 508 .