صديق الحسيني القنوجي البخاري
55
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال ابن عباس : يريد أن المؤمنين بعضهم أكفاء بعض ، أي فلا يترفع الحر عن نكاح الأمة عند الحاجة إليه . فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ أي بإذن المالكين لهن ومواليهن لأن منافعهن لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له ، واتفق أهل العلم على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل لأن اللّه تعالى جعل إذن السيد شرطا في جواز نكاح الأمة . وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي أدوا إليهن مهورهن بما هو المعروف في الشرع من غير مطل ولا نقص ولا ضرار ، وقيل مهور أمثالهن ، وقد استدلّ بهذا من قال إن الأمة أحق بمهرها من سيدها ، وإليه ذهب مالك وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد وإنما أضافها إليهن لأن التأدية إليهن تأدية إلى سيدهن لكونهن ماله . الْمُحْصَناتِ عفائف حال غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات جهرا أي غير معلنات بالزنا ، وهذا الشرط على سبيل الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني ولو كنّ إماء ، قاله الخطيب . وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أخلّاء يزنون بهن سرا ، والأخدان الأخلاء ، والخدن والخدين المخادن أي المصاحب ، وقيل ذات الخدن هي التي تزني سرا فهو مقابل للمسافحة ، وهي التي تجاهر بالزنا وقيل المسافحة المبذولة وذات الخدن التي تزني بواحد . وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا ولا تعيب اتخاذ الأخدان ، ثم رفع الإسلام جميع ذلك فقال اللّه وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأنعام : 151 ] وقال أبو زيد الأخدان الأصدقاء على الفاحشة . فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ المراد بالإحصان هنا الإسلام ، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد . وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي والشعبي والسدي ، وروي عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع وهو الذي نصّ عليه الشافعي ، وبه قال الجمهور ، وقال ابن عباس وأبو الدرداء ومجاهد وعكرمة وطاوس والحسن وقتادة وغيرهم أنه التزويج ، وروي عن الشافعي . فعلى القول الأول لا حدّ على الأمة الكافرة ، وعلى الثاني لا حدّ على الأمة التي لم تتزوج ، وقال القاسم وسالم : إحصانها إسلامها وعفافها ، وقال ابن جرير : إن معنى القراءتين مختلف ، فمن قرأ أُحْصِنَّ بضم الهمزة فمعناه التزويج ، ومن قرأ بفتح الهمزة فمعناه الإسلام . قال قوم إن الاحصان المذكور في الآية هو التزويج ولكن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوج بالسنة ، وبه قال الأزهري .