صديق الحسيني القنوجي البخاري

534

فتح البيان في مقاصد القرآن

موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر ههنا ما ذكر هناك من قوله : إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ [ هود : 50 ] وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من أجزاء القصة ، بل حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات الجارية في الأوقات المتعددة واللّه أعلم قاله أبو السعود . قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ هي الخفة والحمق ، وقد تقدم بيانه في البقرة نسبوه إلى الخفة والطيش وقلة العقل والجهالة ولم يكتفوا بذلك حتى قالوا : وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ مؤكدين لظنهم كذبه فيما ادعاه من الرسالة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 67 إلى 69 ] قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 67 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ( 68 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ كما تدعون وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليكم ، استدرك على ما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في الغاية القصوى من الرشد ، فإن الرسالة من جهة رب العالمين موجبة لذلك فكأنه قيل ليس بي شيء مما تنسبوني إليه ولكني في غاية من الرشد والصدق ، ولم يصرح بنفي الكذب اكتفاء بما في حيز الاستدراك ، ومن لابتداء الغاية ، وقد تقدم بيان معنى هذا قريبا وكذا سبق تفسير قوله . أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ فيما آمركم به من عبادة اللّه وترك عبادة ما سواه أَمِينٌ هو المعروف بالأمانة والثقة على ما ائتمن عليه وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها ، وفي إجابة الأنبياء من ينسبهم إلى السفاهة والضلال بما أجابوه به من الكلام الصادر عن الحلم والاغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم ، أدب حسن وخلق عظيم وتعليم من اللّه لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيال حلمهم على ما يكون منهم . ونحوه قوله تعالى : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] . وأتى هود بالجملة الاسمية ونوح بالفعلية حيث قال : وأنصح لكم وذلك لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة وكان نوح يكرر في دعائهم ليلا ونهارا من غير تراخ . فناسب التعبير بالفعل وأما هود فلم يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتا دون وقت ، فلهذا عبر بالاسمية . أَ وَعَجِبْتُمْ من أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى لسان رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ بأس ربكم ويخوفكم عقابه ، وقد سبق تفسيره وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ