صديق الحسيني القنوجي البخاري

535

فتح البيان في مقاصد القرآن

نُوحٍ أي جعلهم سكان الأرض التي كانوا فيها أذكرهم اللّه نعمة من نعمه عليهم أو جعلهم ملوكا . جعل الذكر للوقت والمراد ما كان فيه من الاستخلاف على الأرض لقصد المبالغة ، لأن الشيء إذا كان وقته مستحقا للذكر فهو مستحق له بالأولى . وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي طولا في الخلق وعظم جسم وقوة زيادة على ما كان عليه آباؤهم في الأبدان ، وقيل بسطة أي شدة قاله ابن عباس ، وعن أبي هريرة قال : كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه ، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها . قال السدي والكلبي : كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع ، وقامة القصير ستين ، وقيل سبعين ذراعا وقد ورد عن السلف حكايات عن عظم أجرام قوم عاد وفيها كما تقدم . فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعمه عليكم جمع إلى بكسر الهمزة وسكون اللام كحمل وأحمال أو إلى بضم الهمزة وسكون اللام كقفل وأقفال ، أو إلى بكسر الهمزة وفتح اللام كضلع وأضلاع وعنب وأعناب أو إلى بفتحهما كقفا وأقفاء ومن جملتها نعمة الاستخلاف في الأرض والبسطة في الخلق وغير ذلك مما أنعم به عليهم ، وكرر التذكير لزيادة التقرير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إن تذكرتم ذلك لأن الذكر للنعمة سبب باعث على شكرها ومن شكر فقد أفلح . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 70 إلى 71 ] قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 70 ) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 71 ) قالُوا في جواب نصحه لهم أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ هذا استنكار منهم لدعائه إلى عبادة اللّه وحده دون معبوداتهم التي جعلوها شركاء للّه ، وإنما كان هذا مستنكر عندهم لأنهم وجدوا آباءهم على خلاف ما دعاهم إليه فلذا قالوا : وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا أي نترك الذي كانوا يعبدونه من الأصنام وهذا داخل في جملة ما استنكروه وهكذا يقول المقلدة لأهل الاتباع ، والمبتدعة لأهل السنة . فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ هذا استعجال منهم للعذاب الذي كان هود يعدهم به لشدة تمردهم على اللّه ونكوصهم عن طريق الحق وبعدهم عن اتباع الصواب . قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ جعل ما هو متوقع كالواقع تنبيها على تحقق وقوعه كما ذكر أئمة المعاني والبيان ، وقيل معنى وقع وجب والرجس العذاب ، وقيل السخط ، وقيل هو هنا الرين على القلب بزيادة الكفر . ثم استنكر ما وقع منهم من المجادلة فقال : أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ يعنى