صديق الحسيني القنوجي البخاري

533

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الزجاج : عموا عن الحق والإيمان يقال رجل عم في البصيرة ؛ وأعمى في البصر ، قاله الليث : وقيل هما بمعنى ، وقال مقاتل : عموا عن نزول العذاب بهم وهو الغرق ، وعمين جمع عم صفة مشبهة لكن تصرف فيه بحذف لامه كقاض إذا جمع فأصله عميين . قال بعضهم : عم فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها كفرح وضيق ، ولو أريد الحدوث لقيل عام كما يقال فارح وضائق ، وقد قرىء عامين حكاها الزمخشري وَ أرسلنا إِلى قوم عادٍ وهو من ولد سام بن نوح قيل هو عاد بن عوص بن أرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وهي عاد الأولى . وعاد الثانية قوم صالح ، وهم ثمود ، وبينهما مائة سنة أَخاهُمْ أي واحدا من قبيلتهم أو صاحبهم ، وسماه أخا لكونه ابن آدم مثلهم ، قاله الزجاج والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم هُوداً هو ابن عبد اللّه بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص المذكور قاله السيوطي في التحبير . وقال ابن إسحاق : هو هود بن شالخ المذكور . والأول أولى واشتهر في ألسنة النحاة أن هودا عربي وفيه نظر لأن الظاهر من كلام سيبويه لما عده مع نوح ولوط أنه أعجمي . وكان بينه وبين نوح ثمانمائة سنة ، وعاش أربعمائة وأربعا وستين سنة . وصرح هنا بتعيين المرسل إليهم دون ما سبق في نوح وما سيأتي في لوط لأن المرسل إليهم إذا كان لهم اسم قد اشتهروا به ذكروا به وإلا فلا . وقد امتازت عاد وثمود ومدين بأسماء مشهورة . قال الربيع بين خثيم : كانت عاد ما بين اليمن إلى الشام مثل الذر ، وقيل كانت منازل عاد بالأحقاف باليمن ، والأحقاف الرمل الذي عند عمان وحضرموت . وقال وهب : كان الرجل من عاد ستين ذراعا بذراعهم ، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة وكان عين الرجل لتفرخ فيها السباع . وكذلك مناخرهم . وقال قتادة : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولا ، وعن ابن عباس : كان الرجل منهم ثمانين باعا ، وكانت البرة فيهم ككيلة البقرة والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر . ولا تخلو هذه الأقاويل عن ضعف وبعد . قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ولم يقل هنا فقال كما قال في قصة نوح لأن الفاء تدل على التعقيب وكان نوح مواظبا على دعوة قومه غير متوان فيها ، وكان هود دون نوح في المبالغة في الدعاء ، وقيل هذا على تقدير سؤال سائل قال فما قال لهم هود فقيل قال يا قوم . أَ فَلا تَتَّقُونَ استبعاد وإنكار أي أفلا تخافون ما نزل بكم من العذاب . وقال في سورة هود أفلا تعقلون ، ولعله خاطبهم بكل منهما وقد اكتفى بحكاية كل منهما في