صديق الحسيني القنوجي البخاري

529

فتح البيان في مقاصد القرآن

والجمع بلاد ، وزاد غيره والمفازة تسمى بلدة لكونها مسكن الوحش والجن ، والبلد يذكر ويؤنث والجمع بلدان . فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ أي بالبلد الذي سقناه لأجله قاله الزجاج وابن الأنباري وهذا هو الظاهر ، وقيل أنزلنا بالسحاب الماء الذي تحمله أو فأنزلنا بالريح المرسلة بين يدي المطر الماء ، وقيل : إن الباء هنا بمعنى من أي فأنزلنا منه الماء ، وقيل : إنها سببية أي فأنزلنا الماء بسبب السحاب ، وقيل يعود على السوق المفهوم من الفعل أي بسبب سوق السحاب وهو ضعيف لعود الضمير على غير مذكور مع إمكان عوده على المذكور . فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بالماء أو بذلك البلد الميت ، والأولى أولى بل لا ينبغي أن يعدل عنه مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي من جميع أنواعها ، ومن تبعيضية أو ابتدائية كَذلِكَ أي مثل إخراج الثمرات نُخْرِجُ الْمَوْتى من القبور يوم حشرهم بعد فنائهم ودروس آثارهم ، والتشبيه في مطلق الإخراج من العدم . وهذا رد على منكري البعث ومحصله أن من قدر على إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس ، قادر على إحياء الموتى من قبورهم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعلمون عظيم قدرة اللّه وبديع صنعته ، وتؤمنون بأنه قادر على بعثكم كما قدر على إخراج الثمرات التي تشاهدونها ، والخطاب لمنكري البعث . وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي التربة الطيبة السهلة السمحة يخرج نباتها بإذن اللّه وتيسيره خروجا حسنا تاما وافيا ، وخص خروج نبات الطيب بقوله : بِإِذْنِ رَبِّهِ على سبيل المدح والتشريف وإن كان كل من النباتين يخرج بإذنه تعالى ، قاله أبو حيان في النهر ، والمعنى بمشيئة وعبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنه أوقعه في مقابلة قوله : وَالَّذِي خَبُثَ أي والتربة الخبيثة السبخة لا يَخْرُجُ نباتها إِلَّا نَكِداً أي قليلا لا خير فيه ، وقيل عسرا بمشقة وكلفة ، يقال نكد نكدا من باب تعب فهو نكد تعسر ، ونكد العيش نكدا اشتد وعسر ، وفي القاموس ونكد عيشهم كفرح اشتد وعسر ، والبئر قل ماؤها ونكد زيد حاجة عمرو كنصر منعه إياها ، ورجل نكد شؤم عسر ، وقوم أنكاد ومناكيد والنكد بالضم قلة العطاء ويفتح . وقيل معنى الآية التشبيه ، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب ، والبليد بالبلد الخبيث ذكره النحاس ، وقيل هذا مثل للقلوب فشبه القلب القابل للوعظ بالبلد الطيب ، والنابي عنه بالبلد الخبيث قاله الحسن ، وقيل هو مثل لقلب المؤمن والمنافق قاله قتادة ، وقيل هو مثل للطيب والخبيث من بني آدم قاله مجاهد . عن أبي موسى الأشعري قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن مثل ما بعثني اللّه به من