صديق الحسيني القنوجي البخاري
530
فتح البيان في مقاصد القرآن
الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك من فقه في دين اللّه عز وجل ونفعه ما بعثني اللّه تعالى به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه تعالى الذي أرسلت به » « 1 » أخرجاه في الصحيحين ، وليس في هذا ما يدل على أنه السبب في نزول الآية . كَذلِكَ أي مثل ذلك التصرف نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ اللّه ويعترفون بنعمته وينتفعون بسماع القرآن . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 59 إلى 60 ] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 60 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ لما بين اللّه سبحانه كمال قدرته وبديع صنعته في الآيات السابقة ذكر هنا أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار ووعيدهم لتنبيه هذه الأمة على الصواب ، وأن لا يقتدوا بمن خالف الحق من الأمم السالفة ، واللام جواب قسم محذوف أي واللّه لقد أرسلنا نوح بن لمك بن متوشلخ . ومعنى أرسلنا بعثنا ، وكان نوح نجارا بعثه اللّه وهو ابن أربعين سنة ، وقيل خمسين سنة ، وقيل مائتين وخمسين سنة ، وقيل ابن مائة سنة وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم . أخرج أبو حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم : قال : « أول نبي أرسل نوح » قال يزيد الرقاشي إنما سمي نوحا لطول ما ناح على نفسه ، وكان اسمه عبد الغفار بن لمك ، واختلف في سبب نوحه فقيل لدعوته على قومه بالهلاك . وقيل لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان وقيل لأنه مر بكلب مجذوم فقال له اخسأ يا قبيح ، فأوحى اللّه تعالى إليه أعبتني أم عبت الكلب . وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون في حد واحد وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة ، وفي التنزيل قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [ يس : 20 ] وكان مقيما ولم يكن منهم ، وقيل كانوا قومه قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق ، وقد تقدم ذكر نوح في آل عمران فأغنى عن الإعادة هنا .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 20 ، ومسلم في الفضائل حديث 15 ، وأحمد في المسند 4 / 399 .