صديق الحسيني القنوجي البخاري
527
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ هذا إخبار من للّه سبحانه بأن رحمته قريبة من عباده المحسنين بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم ، وفي هذا ترغيب للعباد إلى الخير وتنشيط لهم ، فإن قرب هذه الرحمة التي يكون بها الفوز بكل مطلب مقصود لكل عبد من عباد اللّه . وقد اختلف أئمة اللغة والإعراب في وجه تذكير خبر رحمة اللّه حيث قال : قَرِيبٌ ولم يقل قريبة فقال الزجاج : إن الرحمة مؤولة بالرحم لكونها بمعنى العفو والغفران ، ورجح هذا التأويل النحاس . وقال النضر بن شميل الرحمة مصدر بمعنى الترحم ، وحق المصدر التذكير ، وقال الأخفش : أراد بالرحمة هنا المطر وتذكير بعض المؤنث جائز . وقال أبو عبيدة : المعنى مكان قريب . قال علي بن سليمان الأخفش : وهذا خطأ ولو كان كما قال لكان قريب منصوبا ، وقال الفراء : إن القريب إذا كان بمعنى المسافة فيذكر ويؤنث وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم ، وروي عن الفراء أنه قال : في النسب قريبة فلان وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث يقال دارك منا قريب ، وفلانة منا قريب ، قال اللّه تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [ الأحزاب : 63 ] . وروي عن الزجاج أنه خطأ الفراء فيما قاله وقال : إن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما ، وقيل : إنه لما كان تأنيث الرحمة غير حقيقي جاز في خبرها التذكير ، ذكر معناه الجوهري ، وأصل الرحمة تقتضي الإحسان إلى المرحوم وتستعمل تارة في مجرد الرقة وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة . وإذا وصف بها الباري يراد بها الإحسان فقط . وقيل هي إرادة إيصال الخير والنعمة على عباده ، فعلى الأولى تكون الرحمة من صفات الأفعال وعلى الثاني من صفات الذات ، قال سعيد بن جبير : الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 57 إلى 58 ] وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 ) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) وَ قوله هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يتضمن ذكر نعمة من النعم التي أنعم بها على عباده مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته وثبوت إلهيته ،