صديق الحسيني القنوجي البخاري
524
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعبارة الخفاجي العرش هو فلك الأفلاك إما حقيقة لأنه بمعنى المرتفع أو استعارة من عرش الملك وهو سريره ومنه رفع أبويه على العرش ، أو بمعنى الملك بضم الميم وسكون اللام ، ومنه ثل عرشه إذا انتقض ملكه واختل انتهى . وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما وهو المراد هنا ، قال الراغب : وعرش اللّه عز وجل مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة ، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له ، تعالى اللّه عن ذلك وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب . قيل والمراد به هنا هو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيطة بكلها . يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أي يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطي بظلمته ضياءه قرىء يغشي بالتشديد والتخفيف وهما لغتان ، يقال أغشى يغشي غشي يغشي والتغشية في الأصل إلباس الشيء الشيء ، ولم يذكر في هذه الآية يغشي الليل والنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] أو لدلالة الحال عليه أو لأن اللفظ يحتملهما بجعل الليل مفعولا أولا والنهار مفعولا ثانيا أو بالعكس . وذكر في آية أخرى يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [ الزمر : 5 ] ذكره الكرخي ، والتقدير استوى على العرش مغشيا الليل والنهار . والآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي ، والنهار هو المفعول من غير عكس . يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي حال كون الليل طالبا للنهار لا يفتر عنه بحال ، والحث الحمل على فعل الشيء كالحض عليه والاستعجال والسرعة ، يقال ولى حثيثا أي مسرعا ، والحث والحض أخوان يقال حثثت فلانا فاحتث فهو حثيث ومحثوث وفعله من باب رد . قال الرازي : إنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة الشديدة وذلك أن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة ، فإن الإنسان إذ كان في أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل وهي ألف فرسخ . ولهذا قال يطلبه حثيثا لسرعته وحركته أي يعقبه سريعا كالطالب له لا يفصل بينهما بشيء ، والجملة حال من الليل لأنه هو المحدث عنه أي يغشي النهار طالبا له أو من النهار أي مطلوبا أو من كل منهما وعليه الجلال . وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أي خلقها حال كونها مسخرات